بدأت القصة باعتراضات من أبناء الرقة على محتوى معرض «معتقلون ومغيّبون» وطريقة تمثيل ضحايا المدينة، لكنها تحولت خلال ساعات إلى روايات إعلامية تتحدث عن «ترهيب» و«ضغوط أمنية» و«منع» للمعرض. وبعد مراجعة بيان فريق «ذاكرة إبداعية»، والتسجيلات المصورة، وشهادات أشخاص حضروا المعرض وتواصلنا معهم مباشرة، لم نجد حتى إعداد هذه المادة ما يثبت صدور قرار رسمي من جهة حكومية بإغلاق المعرض أو إزالة أعمال منه.
أقيم معرض «معتقلون ومغيّبون» في متحف الرقة الوطني ضمن الجولة التي ينظمها فريق «ذاكرة إبداعية للثورة السورية»، وكان مقرراً أن يستمر ثلاثة أيام. وبحسب وكالة «سانا»، ضم المعرض نحو 200 عمل فني وتوثيقي، فيما قالت مديرة ومؤسسة «ذاكرة إبداعية» سنا يازجي إن الأعمال تقدم «لوحة شمولية» تمثل مختلف المناطق السورية.
لكن المعرض توقف بعد يومه الأول بقرار من الفريق المنظم. وفي البيان الذي صدر لاحقاً، قال فريق «ذاكرة إبداعية» إنه تعرض لضغوط ورسائل غير مباشرة، وإن أشخاصاً حضروا إلى المكان و«عرّفوا عن أنفسهم» بأنهم يمثلون الإدارة السياسية، قبل أن يتحدث البيان عن «ترهيب» و«تحريض متعمد ومسبق» وعن خلع إحدى اللوحات وإلقائها أرضاً.
هذه رواية الفريق، لكنها ليست الرواية الوحيدة لما جرى داخل معرض «معتقلون ومغيّبون» في الرقة. فالتسجيلات والشهادات التي حصلنا عليها تظهر أن جانباً أساسياً من الخلاف بدأ بأسئلة مباشرة حول محتوى المعرض ومعايير اختيار الضحايا وحجم حضور ذاكرة الرقة داخله.
ماذا اعترض عليه أبناء الرقة داخل معرض «معتقلون ومغيّبون»؟
يوثق تسجيل مصور مداخلة للناشط عمار الحمد، أحد الحاضرين في المعرض. لم يبدأ الحمد مداخلته بالمطالبة بإغلاق المعرض أو الاعتراض على قضية المعتقلين والمغيبين، بل بدأ بشكر القائمين عليه والتعبير عن أمله في إعطاء قضية المفقودين اهتماماً أكبر، قبل أن ينتقل إلى الاعتراض على المحتوى.
سأل الحمد عن غياب أسماء يعرفها أبناء الرقة جيداً، من بينها المحامي عبد الله الخليل وفراس الحاج صالح وإبراهيم الغازي وعبد الإله الحسين وغيرهم، وقال إن للرقة خصوصية ينبغي أخذها بعين الاعتبار عندما يصل إليها معرض يتناول المعتقلين والمغيبين.
ثم طرح السؤال الأكثر حساسية بالنسبة إلى عدد من الحاضرين: أين المعتقلون والمفقودون لدى قوات سوريا الديمقراطية «قسد»؟ وقال في التسجيل: «مو إحنا كنا تحت سيطرة قسد تسع سنوات؟ وفي عندنا مختفين عند قسد... شو السبب إنه ما في ولا أي صورة لأي مفقود عند قسد؟»
بحسب شهادات جمعناها، كان هناك عمل عام واحد على الأقل يتعلق بانتهاكات «قسد»، إلا أن اعتراض الحاضرين كان على غياب حالات فردية لمفقودين ومعتقلين من أبناء المنطقة مقابل حضور أكبر لأعمال مرتبطة بانتهاكات جهات أخرى.
قد يختلف فريق «ذاكرة إبداعية» مع هذا الاعتراض، وقد يرى أن المعرض مشروع فني وأرشيفي وليس سجلاً إحصائياً شاملاً لكل ضحايا الاعتقال والاختفاء في سوريا. لكن هناك فارقاً واضحاً بين الرد على هذا النوع من الانتقادات وبين وضع المعترضين جميعاً تحت توصيف «التحريض المتعمد والمسبق».
عمار الحمد: قيل لي «أنا بكيفي»
خلال مداخلته المصورة قال عمار الحمد إنه سبق أن ناقش إحدى المسؤولات عن المعرض بشأن ما اعتبره انتقائية في اختيار الأعمال، وإنها أجابته بعبارة: «أنا بكيفي».
تواصلنا مع الحمد مباشرة بعد ذلك وسألناه تحديداً عن هذه العبارة، فأكد أنه سمعها بنفسه خلال النقاش المتعلق بغياب أسماء من الرقة وحالات لمفقودين لدى «قسد». ولا نملك تسجيلاً للحظة صدور العبارة نفسها، ولذلك ننسبها بوضوح إلى شهادة الحمد ولا نقدمها كواقعة مستقلة عن شهادته.
كما تواصلنا مع سنا يازجي وأرسلنا إليها أسئلة تتناول هذه النقطة وغيرها من الاعتراضات التي أثارها الحاضرون، لكنها لم ترد على رسائلنا حتى وقت إعداد هذه المادة.
أسيد الموسى: حضرت كمحام وناشط حقوقي لا ممثلاً عن «الشؤون السياسية»
من أكثر النقاط حساسية في بيان «ذاكرة إبداعية» الحديث عن أشخاص «يمثلون الإدارة السياسية». لذلك تواصلنا مع المحامي والناشط الحقوقي أسيد الموسى، الذي كان موجوداً في المعرض وتلقى دعوة من القائمين عليه للمشاركة في الحوار المفتوح.
الموسى يعمل أيضاً ضمن الشؤون السياسية، لكنه أكد أن حضوره إلى معرض «معتقلون ومغيبون» لم يكن بهذه الصفة، وقال: «إجتني دعوة من المشرفين على المعرض حتى أكون مشارك بالحوار المفتوح... بصفتي محامي وناشط حقوقي، مو بصفتي عضو بالشؤون السياسية». وأضاف أنه عندما طُلب منه التعريف بنفسه أمام الحضور قدم نفسه باعتباره محامياً وناشطاً حقوقياً فقط.
وهذه نقطة جوهرية في فهم ما حدث. فعمل شخص في مؤسسة عامة لا يعني أن مشاركته في فعالية عامة تمثل تلقائياً موقف تلك المؤسسة. حضور محامٍ يعمل في جهة حكومية بصفته الشخصية لا يعني أن «الجهة الحكومية حضرت»، تماماً كما أن حضور قاضٍ أو موظف أمني بصفته الشخصية لا يجعل كل رأي يصدر عنه موقفاً رسمياً للقضاء أو الأمن. إثبات الصفة الرسمية يحتاج إلى تكليف أو إعلان واضح بأن الشخص يتصرف باسم المؤسسة.
هل صدر أمر رسمي بإزالة لوحة أو إغلاق المعرض في الرقة؟
سألنا أسيد الموسى بشكل مباشر إن كان قد شاهد شخصاً يقدم نفسه ممثلاً لجهة حكومية ثم يصدر أمراً رسمياً بإزالة لوحة أو وقف المعرض. وقال: «ما صدر أي أمر رسمي من أي حدا... ما حدا جاء بشكل رسمي وقال أنا من الجهة الحكومية الفلانية وأطلب تشيلوا الصورة أو توقفوا المعرض. أمامي هذا الكلام ما حصل نهائياً».
وكان الموسى دقيقاً في شهادته، إذ أكد أنه غادر المعرض لاحقاً، ولذلك لا يستطيع الشهادة على الأحداث التي وقعت بعد مغادرته، ومن بينها واقعة نزع اللوحة التي تحدث عنها بيان «ذاكرة إبداعية».
أما الناشط فارس الذخيرة، الذي قال إنه بقي حتى نهاية وجود الحاضرين، فأكد أنه شاهد حضور شخصيات تحمل صفات رسمية ضمن المدعوين، وبينهم مسؤول محلي، لكنه وصف المداخلة التي شاهدها بأنها هادئة، وقال: «ما حدا شال قدامي أبداً أي لوحة، وما شفت حدا طالب بإيقاف المعرض أبداً».
عمار الحمد كان أكثر تحفظاً عندما سألناه عن هذه النقطة، وقال إنه لا يستطيع تأكيد صفة شخص لا يعرفه، ولا يستطيع الجزم بأن شخصاً شاهده كان موجوداً بتكليف رسمي.
وتتقاطع هذه الشهادات في نقطة واحدة: لا أحد من الشهود الذين تحدثنا إليهم قال إنه شاهد أمراً رسمياً صادراً باسم جهة حكومية بإغلاق المعرض أو إزالة لوحة منه.
«عرّفوا عن أنفسهم» لا تعني أن «الإدارة السياسية مارست الضغط»
العبارة المستخدمة في بيان «ذاكرة إبداعية» شديدة الأهمية: أشخاص «عرّفوا عن أنفسهم» بأنهم يمثلون الإدارة السياسية. هذه الصياغة تعني أن مصدر معرفة الفريق بصفتهم هو تعريف هؤلاء الأشخاص بأنفسهم، ولا تثبت بمفردها وجود تكليف رسمي أو أن ما صدر عنهم كان موقفاً مؤسساتياً.
لكن هذه المسافة بين الادعاء والإثبات بدأت تختفي لاحقاً في بعض التغطيات الإعلامية. ظهرت عناوين تتحدث عن «ضغط الإدارة السياسية»، وأخرى عن «ضغوطات أمنية»، بينما يعود متن بعض هذه الأخبار نفسه إلى الصيغة الأصلية: أشخاص «قالوا» أو «عرّفوا عن أنفسهم» بأنهم يمثلون جهة ما.
هذا ليس اختلافاً تحريرياً بسيطاً؛ فالانتقال من «شخص قال إنه يمثل جهة» إلى «الجهة مارست الضغط» يحوّل ادعاءً يحتاج إلى التحقق إلى حقيقة تقريرية.
وبحسب مصادر محلية تواصلنا معها مباشرة، فإن أشخاصاً يحملون صفات عامة أو حكومية حضروا المعرض بصفتهم الشخصية وباعتبارهم من أبناء محافظة الرقة، وليس بتكليف لممارسة رقابة على المعرض.
هل مُنع معرض «معتقلون ومغيبون» في الرقة؟
الانزلاق نفسه ظهر في توصيف توقف المعرض. بيان «ذاكرة إبداعية» يقول إن الفريق قرر إيقاف فعاليات اليومين الثاني والثالث، ولا يتضمن البيان المنشور قراراً رسمياً من محافظة الرقة أو وزارة الثقافة أو إدارة المتحف أو الأمن الداخلي بإغلاق المعرض.
ومع ذلك، استخدمت بعض المنصات الإعلامية لاحقاً عبارات من قبيل أن المعرض «مُنع» في الرقة. وهنا تصبح الأسئلة مباشرة: من منع المعرض في الرقة، وما الجهة التي أصدرت قرار المنع؟ أين القرار، ومتى صدر؟ حتى إعداد هذه المادة، المتاح علناً هو قرار من الفريق المنظم بعدم استكمال اليومين التاليين على خلفية ما قال إنه تعرض له، وهذا يختلف جذرياً عن وجود قرار حكومي بمنع المعرض.
الفريق نفسه شكر الأمن الداخلي على تأمين المعرض
في نهاية بيانه، شكر فريق «ذاكرة إبداعية» إدارة متحف الرقة وطاقمه، كما شكر قوى الأمن الداخلي والدفاع المدني على تأمين المتحف والمعرض.
وبحسب مصادر محلية تحدثنا إليها، وقعت بالفعل إشكالية محدودة أثناء الفعالية، وتدخل عناصر من الأمن الداخلي لاحتواء الموقف وإنهائه. وبالتالي فإن وجود مشكلة أو مشادة خلال تنظيم فعالية عامة لا يعني تلقائياً وجود حملة أمنية أو قرار مؤسساتي ضد المعرض.
إذا حدث تجاوز من شخص بعينه، فيجب تحديد الشخص والفعل الذي قام به. أما تحويل تصرف فردي أو مشادة محدودة إلى مسؤولية مؤسسة كاملة، فيحتاج إلى دليل يربط بين التصرف والجهة التي يُقال إن الشخص يمثلها.
واقعة نزع اللوحة: ماذا نعرف فعلاً؟
قال فريق «ذاكرة إبداعية» في بيانه إن شاباً جرى تحريضه على خلع إحدى اللوحات وإلقائها أرضاً. ولا نملك حتى الآن تسجيلاً للحظة وقوع الحادثة نفسها.
أسيد الموسى لم يشاهد الواقعة لأنه كان قد غادر المعرض، فيما قال فارس الذخيرة إنه لم يشاهد خلال وجوده أحداً ينزع لوحة. وهذا لا يكفي لنفي ما أورده الفريق في بيانه لكنه في الوقت نفسه لا يكفي لتحويل حادثة فردية ــ إن ثبتت ــ إلى دليل على وجود قرار سياسي أو حملة حكومية.
إذا نزع شخص لوحة بالقوة، فهذا تصرف مرفوض. لكن معرفة هويته وصفته، ومن حرّضه إن كان هناك تحريض، وما إذا كانت هناك أي صلة رسمية بين الفعل وجهة حكومية، كلها عناصر ضرورية قبل بناء استنتاج أوسع من الواقعة نفسها.
الطفلة شام الظاهر: «منعونا لأننا صغار»
برزت خلال الجدل أيضاً مسألة دخول الأطفال إلى معرض «معتقلون ومغيبون». ولدينا شهادة مصورة للطفلة شام الظاهر، قالت فيها إنها ذهبت إلى المعرض ولم يسمح لها بالدخول بسبب صغر سنها.
وقالت شام: «قالوا لأنه إحنا صغار... وأنا عندي خالي معتقل ومغيب». كما تحدثت عن تجربة عائلتها مع القصف والتهجير، وقالت إن الأطفال أنفسهم يجب أن يتمكنوا من حضور فعاليات تتناول تجارب أثرت في حياتهم وعائلاتهم.
لدينا موافقة أسرتها على نشر شهادتها وهذه الشهادة تثبت حالة منع بسبب العمر على الأقل لكنها لا تكفي وحدها للجزم بأن منع جميع الأطفال كان سياسة عامة للمعرض. لذلك وجهنا إلى سنا يازجي سؤالاً مباشراً عن سياسة دخول الأطفال وأسباب المنع ولم يصلنا رد.
أين الرقة في معرض أقيم داخل الرقة؟
هذه هي القضية التي كادت تختفي خلف الحديث عن «التحريض» و«الترهيب». فعندما يصل معرض عن المعتقلين والمغيبين إلى الرقة، لا يدخل أبناء المدينة إليه كمتفرجين على قضية بعيدة؛ كثير منهم يحملون ذاكرة شخصية وعائلية مرتبطة بالاعتقال والخطف والاختفاء والحرب وتعدد الجهات التي سيطرت على المحافظة.
أسيد الموسى اعتبر تمثيل الرقة محدوداً وفارس الذخيرة قال إن اعتراضه لم يكن على فكرة المعرض بل على السردية التي يقدمها، بينما وقف عمار الحمد داخل الفعالية نفسها ليسأل علناً عن أسماء غابت من الجدران.
هذه الأسئلة قد تكون محرجة للقائمين على المعرض، لكنها تبقى أسئلة مشروعة: لماذا حضرت هذه الحالات وغابت أخرى؟ وكيف جرى اختيار نحو 200 عمل من أرشيف أكبر ليُعرض في محافظة لها تاريخ خاص مع الاعتقال والاختفاء؟
السؤال يصبح أكثر أهمية لأن سنا يازجي كانت قد وصفت الأعمال في تصريحها لوكالة «سانا» بأنها تقدم «لوحة شمولية» تمثل مختلف المناطق السورية. فإذا كان المعرض يقدم نفسه بصورة شمولية، فمن الطبيعي أن يسأل الجمهور عن الفجوات التي يراها في هذه الشمولية.
ماذا عن المعتقلين السابقين لدى هيئة تحرير الشام؟
اعترض أسيد الموسى أيضاً على وجود عمل يتعلق بأربعة أشخاص سبق أن اعتقلتهم هيئة تحرير الشام ثم أُفرج عنهم لاحقاً. وسأل عن سبب حضور هذه الحالة ضمن معرض يحمل اسم «معتقلون ومغيبون»، بينما يرى أن حالات من الرقة لأشخاص ما زال مصيرهم مجهولاً لم تجد تمثيلاً مماثلاً.
قد يكون لدى فريق «ذاكرة إبداعية» تفسير أرشيفي أو فني واضح لاختيار هذه الأعمال، وهذا حقه. لكن حق الفريق في الاختيار لا يلغي حق الجمهور في السؤال عن المعايير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بواحدة من أكثر القضايا السورية حساسية.
تفاصيل أضافتها «الجمهورية.نت» ولم ترد في البيان الأصلي
نشرت «الجمهورية.نت» لاحقاً تفاصيل إضافية لا تظهر في بيان «ذاكرة إبداعية»، من بينها الحديث عن لوحة «الحرية لمختطفي كوباني»، واعتراض شخص على استخدام تسمية «كوباني» بدلاً من «عين العرب»، إضافة إلى تفاصيل أخرى تتعلق بالأعمال المختلف عليها.
قد تكون لدى «الجمهورية» مصادر إضافية تحدثت إليها، وعدم ورود التفاصيل في البيان لا يعني تلقائياً أنها غير صحيحة. لكن عندما تدخل مثل هذه المعلومات في رواية سياسية أوسع للحادثة، يصبح من الضروري توضيح مصدرها وما إذا كانت هناك تسجيلات أو شهود مباشرون يؤكدونها.
فالفرق بين «بحسب مصدر تحدث إلينا» وبين تقديم المعلومة كحقيقة نهائية ليس ترفاً تحريرياً؛ إنه أساس التحقق الصحفي.
سنا يازجي لم ترد على أسئلتنا
حرصاً على منح فريق «ذاكرة إبداعية» فرصة لعرض روايته مباشرة، تواصلنا مع سنا يازجي عبر واتساب وأرسلنا إليها مجموعة من الأسئلة الواضحة، ثم أرسلنا متابعة أخرى قبل إنهاء المادة.
سألنا عن هوية الأشخاص الذين قال الفريق إنهم يمثلون «الإدارة السياسية» وما إذا تم التحقق من تكليفهم رسمياً، وعن وجود أي أمر حكومي بإزالة عمل أو وقف المعرض، وعن الأعمال المطلوب سحبها، ومعايير اختيار الحالات، واعتراضات أبناء الرقة على تمثيل مفقوديهم وانتهاكات «قسد»، إضافة إلى منع الأطفال من الدخول.
لم نتلق منها رداً حتى وقت إعداد هذا المقال. لذلك اعتمدنا في عرض موقف فريق «ذاكرة إبداعية» على بيانه المنشور وتصريحاته العلنية، ووضعناها مقابل التسجيلات والشهادات المباشرة التي حصلنا عليها من أشخاص كانوا داخل المعرض.
الشعور بالتهديد لا يثبت وجود حملة رسمية
من حق أي فريق أن يشعر بعدم الأمان وأن يقرر إنهاء فعالية إذا رأى أن الظروف لم تعد مناسبة. لكن الشعور بالتهديد شيء، وإثبات الجهة المسؤولة عنه شيء آخر.
عندما يتحول وصف الفريق لما شعر به إلى اتهام بـ«التحريض المتعمد والمسبق»، ثم يتحول إعلامياً إلى «ضغط الإدارة السياسية» أو «ضغوط أمنية»، ثم إلى القول إن المعرض «مُنع»، فنحن لم نعد أمام وصف شخصي لما حدث بل أمام رواية عامة تحمل مسؤولية سياسية ومؤسساتية.
ولهذا تصبح الأسئلة واجبة: من حرّض ومن خطط مسبقاً؟ من أصدر أمراً؟ من كان يمثل الدولة فعلاً؟ ومن أصدر قرار منع المعرض؟ حتى إعداد هذه المادة، لا تقدم الشهادات والتسجيلات التي جمعناها ما يثبت هذه السلسلة من الادعاءات.
النقد ليس تخريباً والتخريب ليس نقداً
إذا نزع شخص لوحة بالقوة، فهذا تصرف مرفوض. وإذا تعرض فريق المعرض لإهانة أو تهديد مباشر، فهذا مرفوض أيضاً. لكن وقوع تجاوز فردي لا يسحب من بقية الحاضرين حقهم في انتقاد المحتوى والسؤال عن الغائبين.
وفي المقابل، الحصول على ترخيص رسمي لإقامة المعرض لا يجعل محتواه فوق النقد. الترخيص يسمح بإقامة الفعالية، لكنه لا يلزم الجمهور بالموافقة على طريقة بناء السردية أو اختيار الأعمال.
المشكلة تبدأ عندما يختلط الأمران: عندما يتحول كل نقد إلى «تحريض»، أو عندما يستخدم النقد ذريعة لتبرير الاعتداء على عمل فني. كلاهما مختلف عن الآخر ويجب تقييم كل واقعة على حدة.
ماذا حدث فعلاً في معرض «معتقلون ومغيبون» في الرقة؟
ما يمكن قوله بدقة حتى الآن هو أن معرضاً مرخصاً أُقيم في متحف الرقة، وظهرت خلاله اعتراضات واضحة على محتواه ومعايير تمثيل ضحايا المحافظة. وقعت أيضاً إشكالية أثناء الفعالية وتدخل الأمن الداخلي لاحتوائها، بينما يقول فريق «ذاكرة إبداعية» إن شاباً نزع لوحة بعد تحريضه، وهي واقعة لم نستطع التحقق منها بشكل مستقل.
وفي المقابل، لم نجد حتى إعداد هذه المادة قراراً رسمياً بإغلاق المعرض أو أمراً منشوراً بإزالة لوحة ولم يقدم البيان المنشور دليلاً يثبت أن الأشخاص الذين تحدث عنهم كانوا مكلفين رسمياً من «الإدارة السياسية». أما قرار إيقاف اليومين الثاني والثالث فصدر عن الفريق المنظم نفسه وفق بيانه.
هذه الوقائع لا تلغي رواية «ذاكرة إبداعية»، لكنها تمنع أيضاً تقديمها باعتبارها الرواية الوحيدة المكتملة لما حدث.
الذاكرة السورية لا تحتاج إلى حصانة من السؤال
قضية المعتقلين والمغيبين ليست ملكاً لفريق «ذاكرة إبداعية»، وليست ملكاً لناشطي الرقة أو لوسيلة إعلام أو مؤسسة سياسية. هي قضية الضحايا وعائلاتهم أولاً.
ومن حق فريق المعرض أن يختار أعماله وأن يرفض التهديد أو الاعتداء، لكن من حق أبناء الرقة أيضاً أن يسألوا لماذا غابت أسماء يعرفونها ولماذا يرون أن بعض الانتهاكات لم تحظ بالتمثيل نفسه.
وما يستحق التوقف عنده ليس مجرد الخلاف داخل المعرض، بل الطريقة التي تحولت بها واقعة مركبة خلال ساعات إلى قصة سياسية أكثر وضوحاً وحسماً مما تسمح به الأدلة المنشورة.
حتى الآن لا يوجد أمامنا قرار رسمي بمنع معرض «معتقلون ومغيبون» في الرقة، ولا أمر رسمي منشور بإزالة لوحة، بينما لدينا تسجيلات وشهادات مباشرة تؤكد أن جزءاً أساسياً من الخلاف كان حول محتوى المعرض وتمثيل ضحايا الرقة.
الذاكرة التي تطالب بالعدالة لا ينبغي أن تطلب حصانة من النقد، والإعلام الذي يتحدث باسم الحقيقة لا يملك ترف الاستغناء عن التحقق.
الحقيقة لا تحتاج إلى تضخيم؛ تحتاج فقط إلى أن تُروى كاملة.