لم تكن الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت جنوب سوريا مساء الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر مجرد حدث عسكري عابر يمكن طيه ببيان مقتضب عن "ملاحقة الإرهاب". فالنتيجة التي ظهرت على الأرض كانت أثقل بكثير من اللغة العسكرية المستخدمة لتبرير العملية: أطفال ونساء ومدنيون تحت الأنقاض، وقرى سورية تستيقظ على مشهد لم تتوقع أن يأتيها هذه المرة من الجار الأردني.
في قرية الطف بمنطقة اللجاة شمال شرقي درعا، قتلت إحدى الغارات خمسة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وأصابت ثلاثة آخرين. وفي منطقة الشياح قتل رجل في الثمانين من عمره، بينما قتل مدني آخر في ريف السويداء. وبحسب الدفاع المدني السوري، بلغت الحصيلة الموثقة سبعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، فضلا عن مصابين.
هذه الأرقام لا تلغي حق الأردن في حماية أمنه ومواطنيه بعد الجريمة الدموية التي شهدتها محافظة الكرك، لكنها تجعل السؤال عن كيفية اختيار الأهداف ومصدر المعلومات التي بني عليها قرار القصف سؤالا مشروعا وضروريا، لا محاولة لتبرير الإرهاب ولا انتقاصا من دماء ضحاياه.
بين الرواية الأردنية وما وجد على الأرض
أطلقت القوات المسلحة الأردنية على العملية اسم "الردع الأردني - حمود"، وقالت في بيانها الأول إن سلاح الجو الملكي استهدف "أوكار التنظيمات الإرهابية" في جنوب سوريا ردا على الهجوم الذي استهدف جنازة في كنيسة حمود بمحافظة الكرك، وإن الضربات أدت إلى قتل وجرح عدد من عناصر تلك التنظيمات وتدمير مواقع وآليات تابعة لها.
وفي اليوم التالي، ذهب التصريح الأردني أبعد من ذلك، إذ أعلن المتحدث باسم الحكومة أن النتائج الأولية تشير إلى مقتل أكثر من عشرين عنصرا من تنظيم داعش وتدمير مستودع كبير للأسلحة، مؤكدا أن الضربات بنيت على معلومات ميدانية بشأن تهديدات وعمليات إرهابية مخطط لها ضد الأردن. وفي الوقت ذاته، أقر الجانب الأردني بوقوع ضحايا مدنيين وأعرب عن الأسف لما وصفه بالخسائر غير المقصودة.
لكن على الطرف الآخر، لم تكن الصورة بهذه البساطة.
الحصيلة التي وثقتها الجهات السورية حتى الآن لم تتضمن أسماء أو جثامين أكثر من عشرين عنصرا من داعش، بل تضمنت سبعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة ورجلان مسنان. وهذا لا يثبت بالضرورة أن الرواية الأردنية حول مقتل عناصر من التنظيم غير صحيحة، فقد تكون هناك مواقع أخرى لم تظهر تفاصيلها بعد، لكنه يجعل نشر الأدلة والنتائج التفصيلية للعملية أمرا لا غنى عنه.
فالقول إن عشرات الإرهابيين قتلوا يجب أن يتبعه توضيح: أين قتلوا؟ ومن هم؟ وما المواقع التي كانوا فيها؟ وما الأدلة التي ربطتهم بهجوم الكرك؟
بعد سقوط أطفال، لا يكفي أن يبقى الجواب مختصرا بعبارة "معلومات استخباراتية".
تناقض أخطر: هل كان هناك تنسيق مع دمشق؟
هناك تفصيل آخر لا يمكن المرور فوقه.
البيان الرسمي للقوات المسلحة الأردنية قال صراحة إن العملية نفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية. لكن دمشق نفت ذلك بصورة واضحة، وأعلنت أن الغارات جرت من دون تنسيق أو إخطار مسبق، ووصفت اختراق الأجواء السورية بأنه أمر مرفوض وانتهاك للسيادة، قبل أن تعلن لاحقا العمل مع عمان على تشكيل لجنة ميدانية وأمنية مشتركة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
هذا ليس اختلافا لغويا صغيرا.
إما أن هناك تنسيقا مسبقا، وإما أنه لم يكن موجودا.
وحين يتعلق الأمر بعملية عسكرية عبر الحدود أسفرت عن مقتل مدنيين، يصبح تحديد حقيقة هذا الأمر جزءا أساسيا من المسؤولية السياسية والقانونية.
بل إن الواقعة تفتح سؤالا أكبر: إذا كانت العلاقات السورية الأردنية تمر، كما يؤكد الطرفان، بمرحلة متقدمة من التواصل الأمني، فلماذا لم تسلم الإحداثيات إلى السلطات السورية لمداهمة المواقع واعتقال المطلوبين؟ ولماذا جرى اللجوء مباشرة إلى القصف الجوي داخل أراضي دولة يفترض أنها شريك أمني وليست دولة معادية؟
من الكرك إلى درعا... حلقة مفقودة
لا خلاف على بشاعة ما وقع في الكرك. تسعة قتلى سقطوا في الهجوم الذي استهدف مراسم جنازة قرب كنيسة للروم الأرثوذكس، وهي جريمة تستحق تحقيقا ومحاسبة كاملة.
لكن المفارقة أن السلطات الأردنية أعلنت قبل الغارات القبض على ثلاثة مشتبه بهم بعد اشتباك مسلح، وهم أردنيون من عائلة واحدة. وفي تلك المرحلة، نقلت تقارير عن مسؤولين أمنيين أردنيين أن المشتبه بهم يحملون فكرا تكفيريا، لكن لم تكن هناك مؤشرات مؤكدة حتى ذلك الوقت على ارتباطهم بخلية تنظيمية أخرى، كما ظل الدافع الكامل للهجوم قيد التحقيق.
وهنا تصبح الأسئلة أكثر إلحاحا.
كيف انتقل التحقيق، خلال ساعات، من القبض على ثلاثة مشتبه بهم داخل الأردن، مع عدم ثبوت ارتباطهم بخلية أخرى في المعلومات المعلنة آنذاك، إلى تحديد عشرات الأهداف والعناصر في جنوب سوريا وربطهم مباشرة بالعملية؟
قد تكون لدى الأجهزة الأردنية معلومات استخباراتية غير معلنة تجيب عن هذا السؤال، وهذا أمر ممكن تماما. لكن سقوط المدنيين يجعل نشر جزء كاف من هذه الأدلة ضرورة لحماية صدقية الرواية الأردنية نفسها.
فالشفافية هنا ليست خدمة لخصوم الأردن، بل حماية للأردن.
ليست المرة الأولى
المشكلة أن سقوط مدنيين نتيجة عمليات جوية أردنية داخل سوريا ليس سابقة جديدة كليا.
في كانون الثاني/يناير 2024، وثقت منظمات حقوقية غارات في جنوب سوريا نسبت إلى الأردن خلال عمليات استهدفت شبكات تهريب مخدرات وأسلحة. وفي بلدة عرمان بريف السويداء قتل عشرة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، في إحدى تلك الضربات.
وطالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" حينها بتحقيق ومساءلة وتعويض الضحايا، وقالت إن التهديد الذي تشكله شبكات التهريب لا يلغي واجب حماية المدنيين.
وهذا التاريخ يجعل النقاش اليوم أكبر من حادثة منفردة.
نحن أمام سؤال يتعلق بآلية كاملة لجمع المعلومات وتحديد الأهداف والتأكد منها قبل الضغط على زر إطلاق الصاروخ.
فعندما يتكرر الخطأ، لا يعود ممكنا التعامل معه على أنه "حادث عرضي" في كل مرة.
وإسرائيل... لماذا تدخل في الصورة؟
هنا يجب التفريق بوضوح بين الحقيقة والتحليل.
حتى لحظة كتابة هذا المقال، لا توجد أدلة علنية موثوقة تثبت أن إسرائيل زودت الأردن بإحداثيات المواقع التي قصفت في درعا أو السويداء، ولا أن أجهزة إسرائيلية خططت للعملية.
لكن عدم وجود دليل معلن لا يعني أن طرح الأسئلة حول المستفيد السياسي والإقليمي أمر غير مشروع، خصوصا بالنظر إلى التوقيت الاستثنائي.
الغارات وقعت مساء 26 تشرين الأول.
وفي صباح اليوم التالي، 27 تشرين الأول، توجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في واحدة من أكثر الانتخابات حساسية في حياة بنيامين نتنياهو السياسية.
فالانتخابات الإسرائيلية الحالية هي الأولى منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتدور إلى حد كبير حول سؤال الأمن ومن يتحمل مسؤولية أكبر إخفاق أمني تعرضت له إسرائيل منذ عقود. وتشير التقارير إلى أن نتنياهو بنى جانبا أساسيا من حملته على إعادة تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على حماية إسرائيل وقيادة سياسة القوة في المنطقة، بينما يخوض معركة سياسية حقيقية من أجل البقاء في الحكم.
بل إن رويترز وصفت معركته الانتخابية بأنها معركة "بقاء سياسي"، وسط سباق متقارب مع المعسكر المنافس بقيادة غادي آيزنكوت، في وقت أصبح فيه الأمن والحروب الإقليمية في قلب قرار الناخب الإسرائيلي.
وهنا لا يصبح السؤال: "هل أمر نتنياهو بقصف اللجاة؟"، فليس هناك دليل يسمح بمثل هذا الادعاء.
السؤال الأكثر جدية هو: هل أصبحت بيئة الفوضى الأمنية الممتدة حول إسرائيل، من سوريا إلى الأردن ولبنان وإيران، جزءا موضوعيا من البيئة السياسية التي يستفيد منها خطاب نتنياهو الانتخابي القائم على الخوف والأمن والقوة العسكرية؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي نعم.
فكلما بدت المنطقة أكثر اضطرابا، أصبح من الأسهل تسويق الرسالة القائلة للإسرائيليين إنهم يعيشون وسط طوق من الأخطار، وإن المرحلة ليست مناسبة للمحاسبة أو تغيير القيادة، بل لمزيد من القوة العسكرية.
وهذا لا يثبت صناعة إسرائيل للأحداث، لكنه يحدد بوضوح من يستطيع استثمارها سياسيا.
العلاقة الأمنية الأردنية الإسرائيلية ليست سرا
في الوقت نفسه، ليس سرا أن بين الأردن وإسرائيل تاريخا طويلا من الاتصالات والتعاون الأمني والاستخباراتي يعود إلى ما قبل اتفاقية السلام عام 1994 واستمر بعدها بدرجات مختلفة، رغم التوتر السياسي والشعبي الكبير بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة. وتوثق دراسات وتقارير عديدة وجود تعاون أمني واستخباراتي تاريخي بين الطرفين.
لكن وجود هذا التعاون لا يسمح بالقفز مباشرة إلى استنتاج أن المعلومات التي قادت إلى قصف اللجاة جاءت من إسرائيل.
هذا تحديدا هو ما يجب التحقيق فيه، لا اختراعه.
من أين جاءت إحداثيات كل هدف؟
من قدم أسماء الأشخاص المصنفين كعناصر في داعش؟
هل كانت المعلومات أردنية خالصة؟
هل شاركت فيها دولة ثالثة؟
هل تمت مطابقتها مع الجانب السوري؟
وما إجراءات التحقق التي اتخذت للتأكد من خلو المواقع من المدنيين؟
هذه الأسئلة أكثر خطورة على أي جهة تريد إخفاء الحقيقة من الاتهامات الجاهزة، لأنها قابلة للتحقيق والإجابة.
من المستفيد من صدام سوري أردني؟
أخطر نتيجة يمكن أن تنتج عن مجزرة اللجاة هي تحويل دماء الضحايا إلى مادة لتحريض السوريين والأردنيين ضد بعضهم.
هذه بالضبط النتيجة التي ينبغي منعها.
الأردن ليس عدوا لسوريا، وسوريا الجديدة لا مصلحة لها في فتح جبهة سياسية أو عسكرية مع الأردن. وبين البلدين حدود طويلة ومصالح اقتصادية واجتماعية وعشائرية وأمنية تجعل التعاون ضرورة، لا خيارا تجميليا.
وكل انقسام بين دمشق وعمان يخلق مساحة إضافية للقوى التي لا تريد قيام علاقة سورية أردنية مستقرة، ولا تريد جنوب سوريا مستقرا وقادرا على إدارة حدوده وأمنه بنفسه.
ومن هنا، فإن الرد السوري العقلاني لا يكون بإطلاق التهديدات ولا بتحويل الحادثة إلى عداء مع الشعب الأردني، كما لا يمكن أن يكون الرد الأردني بالاكتفاء بعبارة "خسائر غير مقصودة".
المطلوب تحقيق مشترك وشفاف.
المطلوب كشف سلسلة المعلومات التي قادت إلى الأهداف.
المطلوب تحديد المسؤولية عن سقوط المدنيين.
والمطلوب، إن ثبت الخطأ، اعتذار أردني واضح وتعويض عائلات الضحايا ومحاسبة من تسبب في الخطأ، بالتوازي مع بناء غرفة تنسيق أمني مشتركة تمنع أن تستيقظ قرية سورية مرة أخرى على صاروخ أطلقه بلد شقيق بحثا عن مطلوب كان يمكن اعتقاله بعملية أمنية مشتركة.
فالاعتذار في مثل هذه الحالات لا يهين الدولة، بل يحميها.
دماء الكرك واللجاة ليستا في معسكرين
من الخطأ وضع ضحايا الكرك في مواجهة ضحايا اللجاة.
الإرهابي الذي يقتل مدنيين أردنيين خارج كنيسة، ومن يقدم معلومة خاطئة تقود صاروخا إلى أطفال نائمين في بيتهم، كلاهما ينتج النتيجة ذاتها: مزيدا من الدم والخوف والفتنة.
ولهذا فإن العدالة لا تكون بالانتقام العشوائي، كما أن السيادة لا تعني تجاهل الأخطار القادمة من الحدود.
للأردن الحق في حماية شعبه.
ولسوريا الحق في حماية أرضها ومدنييها وسيادتها.
ولا يتناقض الحقان إذا كانت هناك دولة ومؤسسات وتنسيق حقيقي.
أما الخطر الأكبر فهو أن يسمح البلدان لطرف ثالث، أيا كان هذا الطرف، بأن يحول الخوف الأردني من الإرهاب إلى عداء مع سوريا، أو أن يحول الدم السوري إلى موجة تحريض ضد الأردن.
وهنا تحديدا يجب البحث عن المصلحة الإسرائيلية.
ليس عبر إطلاق اتهامات لا نملك أدلتها، بل عبر فهم حقيقة استراتيجية واضحة: إسرائيل هي المستفيد الأكبر من جنوب سوري مفكك، وحدود مضطربة، وعلاقة سورية أردنية مأزومة، ومنطقة يصبح فيها القصف عبر الحدود أمرا اعتياديا بدلا من الدولة والتنسيق والسيادة.
لذلك فإن أفضل رد على أي محاولة للعبث بالعلاقة السورية الأردنية ليس الانفعال، بل التحقيق.
وإذا كانت الإحداثيات التي قادت الصواريخ إلى اللجاة قد تعرضت للتضليل، فيجب معرفة من ضللها.
وإذا كانت صحيحة ولكن التنفيذ أخطأ، فيجب معرفة من أخطأ.
وإذا كان بين المواقع المستهدفة عناصر من داعش بالفعل، فيجب تقديم الأدلة التي تثبت ذلك.
أما دفن الإجابات تحت ركام البيوت، فلن يحمي أمن الأردن، ولن يعيد أطفال اللجاة، ولن يمنع من يريد إشعال المنطقة من المحاولة مرة أخرى.
دماء الكرك واللجاة ليست دماء شعبين متخاصمين.
إنها إنذار واحد لشعبين يقعان على جبهة واحدة في مواجهة الإرهاب والفوضى والتلاعب الإقليمي.
ومن يريد فعلا قطع الطريق على إسرائيل أو غيرها من القوى التي تستثمر في الانقسام، عليه أن يبدأ من هنا:
الحقيقة أولا، والمحاسبة ثانيا، والتنسيق السوري الأردني المباشر ثالثا.
فالمناطق التي دفعت لعقود ثمن صراعات الآخرين لا تحتمل أن تتحول أجساد أطفالها مرة أخرى إلى خرائط رسائل بين أجهزة الاستخبارات، أو إلى وقود في انتخابات تجري خلف الحدود.