عاجل
منصة سورية
الإعلامي الرقاوي: من شاهد إلى طرف حين يتحوّل الميكروفون إلى منبر مطالب الأخبار المحلية

الإعلامي الرقاوي: من شاهد إلى طرف حين يتحوّل الميكروفون إلى منبر مطالب

كامل عيسى الدريع ك
كامل عيسى الدريع
كاتب

جاهز 0%
استمع للمقال

في مطلع عام 2026، دخلت الرقة مرحلة جديدة. لم يكن الجديد فيها تغيير السلطة وحده، بل شيء أعمق وأكثر إلحاحاً: تغيّر صوت المدينة الإعلامي. الصفحات التي اعتدنا أن تنقل لنا خبر انقطاع الكهرباء أو فيضان الفرات، باتت هي من يطالب بإقالة المحافظ. القلم الذي كان يصف المشهد صار يصنعه. والميكروفون الذي كان يرصد الاعتصام بات يدعو إليه.

هذا التحول لا يُقرأ باعتباره خطأً مهنياً فحسب. إنه ظاهرة تستحق الوقوف عندها بعين الناقد وعقل المحلل وضمير من يعيشها من الداخل.

أولاً: ما الذي تغيّر؟ — قراءة في الوقائع

لم يكن الإعلام الرقاوي قبل 2026 بمنأى عن الانحياز. كلنا يعرف ذلك. في زمن داعش كان الصمت هو الخيار الوحيد، وفي زمن قسد كان الناشط يكتب من المنفى أو من خلف اسم مستعار. لكن شيئاً تبدّل بعد يناير 2026: عاد الناشط إلى المدينة، وفتح صفحته على الملأ، وبدأ يتكلم — أحياناً بصوت أعلى مما تحتمله المهنة.

رصدنا في الأشهر الماضية جملة من الأنماط الموثّقة:

في ملف الكهرباء

حين صدر قرار إنهاء عقود 32 موظفاً فنياً في الشركة العامة للكهرباء بالرقة، كانت ردود فعل الصفحات المحلية أسرع من التحقق. بعضها أطلق اتهامات بالفساد بالاسم والرقم قبل أن تكتمل رواية الطرف الآخر. والحقيقة أن الاتهامات قد تكون صحيحة — وقد لا تكون — لكن المشكلة أن القارئ لم يُعطَ الأدوات ليحكم بنفسه.

في ملف هدم المنازل

حين احتج أهالي شمال السكة على قرارات الهدم في مايو 2026، خرجت بعض الصفحات بعناوين تطالب بإقالة المحافظ عبد الرحمن سلامة. لا بأس في نقل هذا المطلب — هو مطلب حقيقي لمئات المحتجين — لكن الفارق بين نقل المطلب والمناصرة له فارق مهني لا يمكن القفز فوقه.

في ملف الاعتصامات

دعت صفحات محلية إلى اعتصام "بدنا نعيش" في دوار النعيم، وروّجت له، وغطّته في آن واحد. ثلاثة أدوار في لحظة واحدة: الداعي، والمنظّم، والمراسل. وهو ما يعيد السؤال برمّته: من هذا الذي يكتب؟

ثانياً: لماذا حدث هذا؟ — تأطير ظاهرة

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى السياق الذي أنتجه.

أولاً: فراغ مؤسسي حاد

الرقة خرجت من عقد ونيّف من الحكم خارج سيطرة الدولة المركزية — داعش، ثم قسد. في هذه المدة، لم يكن ثمة مؤسسة إعلامية رسمية تعمل بحرية، ولا نقابة، ولا مرجعية مهنية. الناشط والإعلامي اندمجا في شخص واحد اضطراراً، لأن الظروف لم تُتح الفصل بينهما. وحين تغيّرت السلطة، جاء هذا الشخص معه بكل أدواره المُدمجة.

ثانياً: غياب التدريب المهني

رصدت رابطة الصحفيين السوريين في منتداها بالرقة عام 2026 ما وصفته بـ"ضعف الضمانات القانونية للعاملين في القطاع الإعلامي" و"صعوبة الوصول إلى المعلومات". في بيئة كهذه، يلجأ الإعلامي إلى ما يقدر عليه: الرأي بدلاً من التحقق، والمناصرة بدلاً من التوثيق، لأن المناصرة لا تتطلب مصادر.

ثالثاً: ضغط الجمهور الرقمي

المنشور الذي يطالب بإقالة مسؤول يحصد آلاف التفاعلات. المنشور الذي يروي خبراً محايداً يمر دون أثر. هذا ليس ضعفاً أخلاقياً في الإعلامي الرقاوي، بل نتيجة حسابية لمنطق المنصات الرقمية التي تكافئ الانحياز وتعاقب الحياد.

رابعاً: ثقل اللحظة التاريخية

الرقة مدينة ظُلمت. والإعلامي الرقاوي ليس آلة تسجيل — هو ابن هذه المدينة، عاش ما عاشت، وفقد ما فقدت. والشعور بأن هذه المرة فرصة للتغيير، يدفع الإنسان إلى ما هو أبعد من الشهادة. هذا مفهوم إنسانياً. لكنه يبقى إشكالية مهنية.

ثالثاً: ثلاثة أنماط في مشهد واحد

استقراء المحتوى الإعلامي الرقاوي في 2026 يكشف ثلاثة أنماط متمايزة، تعمل في الميدان الواحد:

النمط الأول — الناشط المتحوّل إعلامياً

  • يرفع شعاراً ويغطيه في اللحظة ذاتها.

  • يسمّي الفاسد قبل أن يثبت الفساد.

  • يستشهد بغضبه مصدراً.

  • جمهوره واسع، وتأثيره كبير، ومصداقيته هشّة على المدى البعيد.

النمط الثاني — الإعلامي الخدمي الميداني

  • يوثّق انقطاع الماء بصور وأرقام.

  • يتابع قضية عمال المطحنة ويسمع الطرفين.

  • يكتب عن الفيضان والجسر والمبادرة الطبية دون أن يخبر القارئ كيف يشعر حيالها.

  • هذا هو الأقرب للمهنة، وهو — للأسف — الأقل تفاعلاً.

النمط الثالث — الصفحة الموالية

  • تُجمّل الإنجاز وتُضخّم الحضور الرسمي.

  • تنقل البيان الحكومي دون أسئلة.

  • وحين تتعرض احتجاجات الأهالي للتشويه من "مؤثرين محسوبين على السلطة" — كما رصدت تقارير موثّقة في أبريل 2026 — فإن هذا النمط هو الذي يُغذّي تلك الحملات.

رابعاً: الثمن الذي يدفعه الإعلامي حين يصبح طرفاً

لا أقول هذا من مكان نظري بعيد. أقوله كمن يعمل في الميدان ذاته، ويعرف قيمة ما يُخسر.

حين يطالب الإعلامي بإقالة المحافظ، فإنه يكسب جمهور المحتجين — ويخسر مصدره في المحافظة. وحين يدعو لاعتصام، يصبح طرفاً في الحدث الذي يُفترض أن يغطيه. وحين يتهم بالاسم والرقم دون توثيق كامل، يضع رأسه في مقصلة المصداقية — أخطر ما يملكه الصحفي.

الأخطر من كل ذلك: أنه حين يأتي اليوم الذي تكون فيه السلطة على حق — وسيأتي هذا اليوم — لن يجد الإعلامي المُنحاز من يصدّقه.

المصداقية لا تُبنى في يوم، ولا تُفقد في يوم. لكنها تتآكل منشوراً بعد منشور، كلما خلط الإعلامي بين ما يراه وما يريده.

خاتمة: الرقة تستحق كلا الصوتين

لا أدعو إلى صحافة باردة لا روح فيها. الرقة ليست مدينة تحتمل اللامبالاة. وإعلامي لا يغضب حين يرى أسرة فقيرة تُهدم دارها، إعلامي ناقص الإنسانية.

لكن الغضب والتوثيق شيئان مختلفان. الغضب يولد الطاقة، والتوثيق يعطيها اتجاهاً. والفارق بين الاثنين هو الفارق بين من يبقى صوتاً للمدينة على المدى البعيد، ومن يُستهلك في لحظة الصراع ثم يُنسى.

الرقة اليوم تحتاج إعلاميين يحملون روح الناشط وأدوات الصحفي. من يغضب في الداخل ويكتب بالأدلة في الخارج. من يعرف متى يتكلم ومتى يتحقق. ومن يدرك أن أقوى ما يملكه في مواجهة الفساد والإهمال ليس صرخته — بل مصداقيته.