عندما تشغّل سوسن الحسين محرك سيارتها، تبدأ مرحلة مختلفة من يومها، تترك خلفها مسؤولياتها العائلية، وتتحول إلى صحفية تتحرك بين القرى والبلدات، تبحث عن قصة أو مصدر أو شهادة، ويرافق هذا التنقل قيود فرضتها نظرة المجتمع وصعوبة التنقل وغياب التدريب وضرورة استخدام اسم مستعار
منذ أن بدأت العمل الصحفي عام 2012 في بيئة لم يكن فيها وجود النساء في العمل الصحفي أمراً مألوفاً، تقول سوسن: "هذا دفعني في البداية للعمل باسم مستعار، عندما ساهمت رفقة زوجي وفريق من الإعلاميين بطباعة ونشر مجلة ورقية ثورية كانت تطبع في بيتنا بسهل الغاب في ريف حماه الغربي" وتضيف: "لم يكن الأمر مألوفاً في المجتمع الريفي، لكن سرعان ما صار مقبولاً بعد عمل السيدات في مختلف المجالات، مثل متطوعات الدفاع المدني والمتطوعات في فرق الإغاثة للجمعيات والمنظمات الإنسانية"
وتقول عفاف جقمور، العضوة والمؤسسة في منصة «سوريات»، إنه لا توجد إحصاءات شاملة توثق عدد العاملات في المجال الإعلامي أو الصحفيات في سوريا، مشيرة إلى أن العمل الإعلامي يتركز بدرجة أكبر في المدن، الأمر الذي قد يدفع الصحفيات في المناطق الريفية إلى الانتقال من مناطقهن للوصول إلى فرص العمل.
وبحسب جقمور، كان حضور النساء في الإعلام واسعاً في بدايات الثورة السورية، قبل أن يتراجع مع تصاعد القمع والتصعيد العسكري، بينما ازداد الاهتمام بالتدريب والعمل الإعلامي بعد عام 2017 مع انخفاض حدة التصعيد في بعض المناطق. لكنها تشير إلى أن النساء ما زلن أقل حضوراً في مواقع القرار والإدارة، بسبب عوائق مرتبطة بسهولة الحركة والأمان والقيود المجتمعية والمسؤوليات العائلية
الضغوط الاجتماعية والانتهاكات التي تواجه الصحفيات
وتقول سوسن: "تلعب الضغوط النفسية الناتجة عن الانتقادات أو الوصم الاجتماعي دوراً كبيراً في عملها وتحركاتها واختيار المواضيع، خاصة إذا كان ذلك صادراً عن المجتمع المحلي القريب، وقد يلعب ذلك دوراً في التأثير على عائلتها التي قد تأخذ موقفاً سلبياً تجاهها، لاسيما عند انتقاد شخصيات معروفة داخل المجتمع"
ويتمثل ذلك في إشارة المركز السوري للإعلام وحرية التعبير إلى أن الصحفيات تواجهن التشهير والتحرش والتهديدات الرقمية والتنمر القائم على النوع الاجتماعي والشائعات والمحتوى المسيء، وهي ضغوط قد تتقاطع مع الضغوط الأسرية والاجتماعية وصعوبة الحركة وضعف بيئة العمل الحساسة للنوع الاجتماعي.
كما يفرق المركز بين الانتهاكات التي يتم توثيقها وفق منهجيته، وبين القيود الاجتماعية والأسرية التي قد تؤثر في عمل الصحفيات من دون أن تسجل بالضرورة باعتبارها انتهاكات، ولم يكن لدى المركز قاعدة بيانات محدثة ومخصصة لعدد الصحفيات في ريف إدلب، كما لا توجد لديه دراسة ترصد التغير في أعدادهن خلال السنوات الأخيرة
هذه الفجوة تبين صعوبة رسم صورة رقمية دقيقة عن واقع الصحفيات في الريف. فغياب الإحصاءات يعني أن جزءاً من عمل الصحفيات السوريات وظروفهن لا يزال خارج الرصد
الأمومة والعمل الصحفي: مهنة لا تتوقف عند ساعات الدوام
يرن هاتف بيان الجوال وهي تكتب جدول مهامها اليومي، تجيب بسرعة وتغلق لتعيد الاتصال بقريبتها حتى ترعى أطفالها في غيابها، بعد أن طُلب منها التوجه فورا لمكان الحدث لتغطيته صحفياً، بيان الأحمد أسم مستعار لصحفية في الثلاثين من عمرها تقطن مع أطفالها الثلاث في مخيم في ريف إدلب الشمالي، وهي معيلة لأسرتها بسبب وضع زوجها الصحي
تقول بيان: "أصبحت إدارة الوقت بالنسبة لي وسيلة للاستمرار في العمل، لا مجرد مهارة مهنية، اعتمد الاستيقاظ المبكر لإنجاز ما استطيع، حتى لو كان ذلك على حساب راحتي وأحرص قدر الإمكان على عدم التقصير في واجباتي الأسرية، رغم شعوري المستمر بالضغط"
تتنهد بيان بحسرة وهي تتذكر الفرص التدريبية والمهنية التي لم تستطع الالتحاق بها "اضطررت للتخلي عن دعوة لحضور مؤتمر في تركيا، وعن تدريب في بيروت، لأن السفر والغياب عن المنزل لم يكونا ممكنين في ذلك الوقت"
رعاية الأطفال وتأثيرها على الخيارات المهنية
تتصل رولا مرات عدة عندما تكون في تغطية صحفية، بمنزل والدتها، لتطمأن على أطفالها الثلاث، ما يشكل ضغطاً نفسيا إضافيا يصاحبه شعور بالذنب تجاههم، رولا صحفية من إدلب وأم لثلاثة أطفال، تعتمد على والدتها وشقيقتها في رعاية أطفالها أثناء العمل، ودفعتها هذه الظروف إلى الاتجاه بصورة أكبر نحو الصحافة المكتوبة، لأنها تمنحها قدرة أكبر على التحكم بوقتها، وتشير إلى أن إحدى المؤسسات الإعلامية التي عملت معها وفرت إجازة أمومة ومركزاً لرعاية الأطفال داخل المؤسسة، وهو ما تصفه بأنه تجربة إيجابية ومريحة
وترى جقمور أن التغطية الصحفية للحرب قد تفرض بدورها ضغوطاً نفسية على الصحفيات، وأن بعض النساء تركن العمل الإعلامي نتيجة تراكم الضغوط المهنية والأسرية والاجتماعية
حضور النساء يوسّع زاوية التغطية
تترجل سوسن من سيارتها بعد وصولها لمكان تغطيتها الصحفية، يلتف حولها أهالي المنطقة لمعرفتهم المسبقة بها، فهي من المنطقة الريفية ذاتها، يبدأ الأهالي حديثهم عن مشكلتهم معها بدون تكلف وتناقشهم هي بنفس الألفة وتقول لنا "وجود صحفية من المكان وذات وصول مباشر لأماكن وقصص وتجارب لا يستطيع آخرون الوصول لها وتغطيتها، يكسبها هذه القوة والميزة"
وتضيف: "تلعب الصحفيات في البيئات الريفية دوراً مهماً في تسليط الضوء على القضايا التي قد لا تصل إلى المؤسسات الإعلامية إلا من خلال الأشخاص المحليين، لذلك تكون صلة وصل لإيصال صوت الناس واحتياجاتهم الأساسية، وخاصة النساء والفئات الضعيفة وكبار السن"
وترى جقمور أن حضور النساء في الإعلام لا ينبغي اختزاله بنسبة معينة ينبغي تمثيلها، بل يرتبط أيضاً بإضافة زوايا ووجهات نظر مختلفة، وبالقدرة على الوصول إلى النساء والأطفال وغيرهم من الفئات التي قد يكون الوصول إليها أصعب في بعض البيئات، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن عمل الصحفيات لا ينبغي أن يقتصر على هذه القضايا، وأن فرصهن يجب أن تشمل مختلف مجالات العمل الصحفي.
من توفير الفرصة إلى إزالة العوائق
من ناحية أخرى تحتاج برامج التدريب والعمل الموجهة إلى الصحفيات في المناطق الريفية إلى مراعاة عوامل مثل النقل، والوصول إلى الإنترنت، والمسؤوليات الأسرية، والفروق بين المدن والمناطق الريفية، ويشير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير إلى أن التدريب لا يقتصر بالضرورة على المدن، وأن التدريب الافتراضي يمكن أن يتيح الوصول إلى الصحفيات في مناطق مختلفة
ففي آذار/مارس 2026، نظم المركز تدريباً افتراضياً شاركت فيه 15 امرأة حول حقوق العمل، مع إعطاء الأولوية لمن يواجهن انتهاكات أو ظروف عمل غير آمنة أو تمييزاً، كما شملت بعض التدريبات الحضورية تكاليف السفر والإقامة، فيما شاركت صحفيات من إدلب واللاذقية عن بعد في مشاريع سابقة عندما تعذر عليهن الحضور، كما لا توجد دراسة متخصصة حول الصحفيات الأمهات في ريف إدلب، رغم ما تفرضه المسؤوليات الأسرية من تحديات مرتبطة بالحركة وساعات العمل غير المنتظمة
التدريب المرن والدعم المهني للصحفيات
ومن جانبها تقول حنين السيد، الصحفية والمدربة: "أعتقد أن دعم الصحفيات في البيئات الريفية لا يبدأ فقط بتوفير فرصة عمل، بل بإزالة العوائق التي تمنعهن من الاستمرار والتطور" وترى أن دعم الصحفيات في المناطق الريفية يحتاج إلى تدريب محلي وعن بعد، وبرامج للإرشاد وبناء العلاقات المهنية، مشيرة إلى أن المرونة "لم تعد رفاهية، بل ضرورة" مضيفةً "المساواة لا تعني فقط التوظيف، بل تشمل منح الصحفيات الفرص نفسها في التغطيات الميدانية، والتدريب، والقيادة، والترقيات"
كما تدعو إلى توفير إجازة الأمومة، ومساحات آمنة للأطفال، وآليات للإبلاغ عن التحرش والانتهاكات، والتدريب على السلامة والأمان الرقمي، وبناء شبكات مهنية تتيح للصحفيات تبادل الخبرات والدعم، وفيما يتعلق بنظرة المجتمع إلى عمل النساء في الإعلام، تقول حنين: "لا تزال بعض المجتمعات تنظر إلى العمل الصحفي الميداني باعتباره غير مناسب للنساء، خاصة في المناطق الريفية لكن أفضل طريقة لتغيير هذه الصورة قد تكون إظهار نتائج عمل الصحفيات أنفسهن، القضايا التي كشفنها، والقصص التي نقلها، والفئات التي استطعن الوصول إليها"
وزارة الإعلام وتطوير بيئة العمل الصحفي
ومن جهتها، قالت وزارة الإعلام، على لسان عمر حاج أحمد، مدير مديرية الشؤون الصحفية، إن الوزارة تعمل على تحديث قاعدة بيانات العاملين في القطاع الإعلامي، بما يشمل أعداد الصحفيين والصحفيات وتوزعهم الجغرافي وأوضح أن الوزارة لا تملك حالياً إحصائية نهائية ومحدثة يمكن اعتمادها رسمياً بشأن عدد الصحفيات في ريف إدلب أو نسبة النساء من إجمالي العاملين في القطاع الإعلامي وأضاف أن الوزارة تعمل على توسيع التدريب والوصول إلى الإعلاميين في المحافظات والمناطق الريفية، من خلال الاستفادة من مديريات الإعلام، إلى جانب التدريب الإلكتروني والهجين
وفيما يتعلق بالصحفيات الأمهات، قال حاج أحمد إنه لا توجد حالياً سياسة مستقلة مخصصة لهن على مستوى جميع المؤسسات الإعلامية، إلا أن الوزارة تدعم تطوير بيئة عمل أكثر مرونة، بما في ذلك الاستفادة من التدريب والعمل عن بعد أو الهجين عندما تسمح طبيعة العمل بذلك، مع التأكيد على أهمية توفير المؤسسات الإعلامية لبيئة تراعي المسؤوليات الأسرية وتكافؤ الفرص.
ويرى حاج أحمد أن تحسين بيئة العمل أمام الصحفيات في المناطق الريفية يتطلب تحديث قاعدة البيانات الخاصة بالعاملين في القطاع الإعلامي، وتوسيع التدريب اللامركزي والإلكتروني، وتوفير فرص متكافئة للتطور المهني والوصول إلى المواقع القيادية، وتحسين بيئة العمل ومعايير السلامة المهنية، واعتماد أنماط عمل أكثر مرونة حيثما تسمح طبيعة العمل كما أشار إلى أهمية إشراك الصحفيات في صياغة السياسات والتشريعات الإعلامية والاستماع إلى التحديات التي تواجهنها ميدانياً
صحافة لا تكتمل بدون النساء
في إحدى جهات الريف، قد تبدأ قصة صحفية من حديث امرأة لا تجد سهولة في الحديث أمام رجل، أو من طفل يحتاج إلى من يصغي إليه، أو من عائلة لا تصل قصتها إلى وسائل الإعلام إلا عبر شخص يعرفها ويستطيع الوصول إليها، بالنسبة إلى سوسن، الوصول إلى هذه القصص ليس مجرد ميزة مهنية، بل جزء من معنى وجود الصحفية في المكان الذي تعمل فيه.
لكن الصحفية نفسها تحتاج إلى من يفتح لها الطريق، فالتدريب الذي يصل إلى مكانها، ووسيلة النقل التي تمكنها من الوصول إلى المصادر، والمرونة التي تراعي مسؤولياتها الأسرية، وبيئة العمل التي تحميها من التحرش والتشهير، كلها عوامل تحدد إن كانت ستستطيع الاستمرار في المهنة أم ستضطر إلى الابتعاد عنها
تجارب سوسن وبيان ورولا تُظهر أن كثيراً من العوائق التي تواجه الصحفيات في الريف لا تظهر في الأرقام. قد تظهر في تدريب لم تستطع صحفية حضوره، أو فرصة عمل لم تتناسب مع مسؤولياتها، أو قصة ترددت في تناولها، أو ساعات طويلة قضتها وهي تحاول التوفيق بين أطفالها وعملها.
وفي طريق عودتها إلى المنزل، تقود سوسن سيارتها عبر الطريق الريفي، بينما تستعيد في ذهنها تفاصيل اليوم: وجوه التقتها، وأسئلة سمعتها، وقصصاً كانت تنتظر من يصل إليها، تواصل القيادة فيما تتلاشى المنازل الريفية خلفها واحدة تلو الأخرى، تعرف أن مهمتها لا تنتهي عند الوصول إلى القصة، فبمجرد الوصول إليها، في كثير من الأحيان، هو بداية أن تجد طريقها إلى الآخرين
أُنتجت هذه المادة ضمن مشروع تمكين الصحفيات «دورها» من مؤسسة «تاز بانتر»، بالشراكة مع مؤسسة «نساء ربحن الحرب»