واقع الريف في محافظة الحسكة
على امتداد السلطات المتعاقبة التي حكمت منطقة الجزيرة السورية، وبشكل خاص محافظة الحسكة، ظل الريف هو الحلقة الأضعف، والنصيب الأكبر من المعاناة كان دائمًا من حصة أهله. هذا الريف الممتد من جنوب الحسكة، من جبل عبد العزيز والقرى المحيطة به، مرورًا ببلدة تل براك ومحيطها، وصولًا إلى الحدود السورية العراقية عند ناحية اليعربية، لا يزال يعيش واقعًا خدمياً قاسياً يتكرر منذ سنوات طويلة.
تل براك... معاناة مستمرة في الخدمات الأساسية
وتبرز تل براك بوصفها إحدى أكثر المناطق تضررًا من هذا الواقع، إذ يعاني أهلها نقصًا حادًا في مختلف الخدمات الأساسية، من الماء والخبز والكهرباء والمحروقات، وصولًا إلى الخدمات الطبية شبه الغائبة. ورغم مرحلة التحرير، لم يختلف حال المنطقة كثيرًا عما كان عليه سابقًا، فما زالت تعاني من غياب أبسط مقومات الحياة الكريمة، ولا سيما في ملف المحروقات، الذي يفترض أن تكون المنطقة من أكثر المناطق غنى به، لا من أكثرها حرمانًا منه.
تأثير نقص المحروقات على حياة السكان
وقد انعكس نقص المحروقات بشكل مباشر على حياة السكان، فتوقفت الأفران العامة والخاصة لفترات طويلة، وتعطل موسم الحصاد وتأخر هذا العام، كما شهدت المنطقة ارتفاعًا كبيرًا في أجور النقل، سواء عبر السرافيس أو الباصات أو وسائل النقل الداخلي. ولم تتوقف الأضرار عند هذا الحد، بل طالت الجرارات والمحركات الزراعية، إضافة إلى غياب الاشتراكات الكهربائية البديلة التي كانت تمثل أحد أهم الحلول التي يعتمد عليها الأهالي في ظل ضعف الكهرباء النظامية.
أبرز معاناة تل براك
لقد عانت تل براك بصورة حادة مقارنة بمناطق أخرى، في وقت لا تزال فيه كثير من الاشتراكات في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم قسد تعمل حتى الآن.
ويمكن تلخيص أبرز معاناة تل براك اليوم بعدة نقاط أساسية:
غياب الاشتراكات الكهربائية.
نقص كبير في ساعات الكهرباء النظامية مقارنة بمناطق مجاورة مثل عامودا والقامشلي حيث تصل الكهرباء إلى أكثر من ثماني ساعات.
انعدام الخبز في الأفران الخاصة التي يعتمد عليها أكثر من 65% من أهالي ريف تل براك.
تراجع الخدمات الطبية إلى حد شبه معدوم.
شهادة من أصحاب المنشآت
وفي شهادة تعكس حجم الأزمة، يقول صاحب معمل حلويات الشامي ومعمل البوز، الأخ نضال كنيهر:
“بسبب قلة المحروقات ونقص كميات الكهرباء، نعاني اليوم من أزمة كبيرة في المعمل، ونحاول قدر المستطاع سد حاجة الناس من قوالب البوز في هذا الحر، وتسيير أمور المعمل، كونه المعمل الوحيد في المنطقة”.
مطالب عاجلة للحكومة
وعليه، فإننا نطالب الحكومة بالنظر إلى هذا الملف بشكل عاجل، وأخذه بعين الاعتبار، لأن استمرار هذا الواقع يزيد من معاناة الأهالي يومًا بعد يوم. ولا تقتصر الأزمة على تل براك وحدها، فباقي مناطق الحسكة لا تقل معاناة، والجميع يعيش الظروف ذاتها تقريبًا، ومع ارتفاع درجات الحرارة تزداد الأزمة تعقيدًا وقسوة.
أزمة المياه في مدينة الحسكة
أما مدينة الحسكة، فهي مثال صارخ على حجم الإهمال. محافظة يتجاوز عدد سكانها المليون إنسان لا تزال محرومة من حق أساسي هو المياه، بسبب استمرار أزمة محطة علوك. ومنذ عقود لم تتمكن أي سلطة من إيجاد حل جذري لهذه القضية التي تحولت إلى مأزق حقيقي للسكان، حتى إن أعمال الصيانة البسيطة تحتاج أحيانًا إلى أشهر، بينما يستمر الأهالي بشراء براميل المياه بأسعار متفاوتة يحددها أصحاب الصهاريج.
الحسكة... أرض الخيرات وسلة سوريا الغذائية
إننا نطالب صناع القرار بأخذ هذه المنطقة بعين الاعتبار، فالحسكة ليست منطقة هامشية، بل هي بلد الخيرات وسلة سوريا الغذائية. لكن ما قيمة هذا الوصف إذا كان شعبها جائعًا وعطشانًا؟ إلى متى تبقى الحسكة محرومة رغم أنها منبع القمح والنفط والثروة الحيوانية واليد العاملة؟
نحن أصحاب القمح.
نحن أصحاب النفط.
نحن أصحاب الثروة الحيوانية.
نحن أصحاب اليد العاملة.
مطالب تتجاوز الخدمات
وما نطرحه اليوم لا يتجاوز المطالب الضرورية والعاجلة التي لا تحتمل التأجيل. أما المطالب الأخرى فهي أوسع وأكبر، وتشمل الحالة الأمنية، وندرة فرص العمل، وتسلط مكون واحد على الدوائر الرسمية، واستمرار المحسوبيات، وإعادة تدوير مرتزقة العهدين الأسدي والقسدي.
خاتمة
من دون الحسكة لن تقف سوريا على قدميها، ومن دون شباب الحسكة وأبنائها لن تُعمّر البلاد، خصوصًا إذا بقي أهلها جائعين وعطشى فوق أرض الخيرات.