"هل يمكن لوطن أن ينهض بينما بعض أبناؤه مشغولون بإنقاذ أنفسهم فقط؟"
هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في مرحلة إعادة الإعمار، حيث تتزاحم الهموم الشخصية على حساب الهم الوطني. لكن الحقيقة أن المصلحة الشخصية ليست نقيضاً للوطنية، بل هي جذرها وأصلها؛ فالوطن القوي هو الذي يجعل من حلم كل شاب في بيته وعمله قضية وطنية ومن طموح كل مواطن في العيش الكريم جزءاً من مشروع النهضة. غير أن المشكلة تبدأ عندما تُرفع المطالب الشخصية باسم الوطنية، وتُختطف الهتافات الوطنية لتكون غطاءً لمصالح ضيقة، لا امتداداً لها.
تاجر المخدرات.. وبطل الحرية المزعوم
في مشهد تناقض صارخ، نرى عائلة تنظم وقفة احتجاجية تحت شعارات "الحرية للجميع" و"لا للاعتقال التعسفي"، تطلب الإفراج عن ابنها الذي ضبطت بحوزته كميات كبيرة من المواد المخدرة.
هذا "المظلوم" الذي يهتفون له، كان يسمم شباب الوطن، ويدمر مستقبل أبنائنا باسم تجارة الموت.
فهل أصبح الدفاع عن مجرم قضية وطنية؟ أم أن البعض يريد أن يركب موجة الخطاب الحقوقي ليُمرر ما لا يمكن تمريره بأي منطق عقلاني أو أخلاقي؟ إن المطالبة بحرية من أفسد حرية الآخرين هي سخرية من مفهوم العدالة ذاتها.
الموظف الفاسد.. وضحية الظلم الإداري الوهمية
وفي الجهة الأخرى، نرى موظفاً فصل من عمله بعد ثبوت تورطه بالرشوة أو التزوير، فيخرج هو وزملاؤه في وقفة احتجاجية يرفعون شعارات "الظلم الإداري يقتل الإبداع" و"الكفاءات تُهمش".
المفارقة هنا أن من يطالب بالعدالة هو نفسه من كان سبباً في حرمان عشرات الشباب المستحقين من فرصهم، وهو من أضعف مؤسسة الدولة بعمله التخريبي.
فكيف يتحول الفاسد إلى ضحية، وتصبح مطالبته بالإنصاف قضية تتبناها منصات وتُرفع باسم الشعب؟ إن الدفاع عن المفسدين لا يخدم الإصلاح، بل يكرس الفساد ذاته.
طالب الرفاهية.. وخطاب تحرير السوق الانتهازي
وهناك من يرفع شعارات "الانفتاح الاقتصادي" و"تحرير السوق" و"إلغاء الدعم"، ليس حباً بالوطن ولا حرصاً على اقتصاده، بل لأن هذه السياسيات تخدم أرباحه الشخصية وتزيد هوامش ربحه على حساب المواطن الفقير.
يريد أن يعيش برفاهية بينما الوطن يتنفس بصعوبة، ويطلب من الدولة أن تفتح جيوبها لمن يستطيع أن يشتري، متناسياً أن سوريا الجديدة تُبنى بالتكافل لا بالاستغلال، وأن التضحية هي سمة هذه المرحلة، لا الترف.
الناشط الإعلامي.. وقضية حرية الصحافة المختطفة
وفي مشهد لا يقل خطورة، نرى من يسمون أنفسهم "ناشطين إعلاميين" يُعتقلون على خلفية نشر أخبار كاذبة أو تحريض على الفتنة، فتتحول قضيتهم فوراً إلى حملات دولية وإقليمية تحت شعار "حرية الصحافة" و"حق التعبير".
هؤلاء الذين لم يكونوا يوماً صوتاً للحقيقة، ولا حميراً لقضايا المواطن البسيط، يجدون في قبعاتهم الإعلامية غطاءً يخفي أجنداتهم، وفي اعتقالهم فرصة ذهبية لترويج أنفسهم كشهداء حرية، بينما هم في الحقيقة أدوات بثٍّ للسموم الإعلامية التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار الوطني.
فهل أصبح كل معتقل ناشطاً، وكل ناشط بطلاً؟ إن حرية الرأي التي نطالب بها هي حرية البناء لا حرية الهدم، وحرية التعبير التي نريد هي التي تخدم الوطن لا التي تطعنه في خاصرته.
إلى كل من يظن أن الهتاف الوطني غطاءٌ يخفي فساده أو جريمته
سوريا التي نعيد بناءها بأرواح أبنائنا ودماء شهدائنا، ليست ساحة لمن يريد أن يحوّل المطالب الوطنية إلى غطاءٍ يخفي فساده أو فشله أو جريمته.
الوطنية ليست شعارات تقال في المهرجانات، وليست هتافاً في وقفات احتجاجية، وليست استغلالاً لجراح الوطن لتحقيق مكاسب شخصية.
الوطنية الحقيقية هي أن نضع المصلحة العامة فوق كل المصالح، هي أن نعرف أن من سمّم شبابنا لا يستحق أن يُدافع عنه باسم الحرية، وأن من أفسد مؤسساتنا لا يحق له أن يطالب بالعدالة، وأن من يريد الرفاهية على حساب الفقراء لا يستحق أن يرفع شعارات الإصلاح.
فلنخلع أقنعة الوطنية المزيفة، ولنعمل جميعاً من أجل سوريا الحقيقية. انطلق من همك الخاص، لكن لا تقف عنده؛ اجعله جسراً نحو همّ وطنك. فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالأفعال، وسوريا التي هزمت الإرهاب قادرة على هزيمة الانتهازيين، وماضية في بناء مستقبلها بمن يضعون المصلحة الوطنية نصب أعينهم، لا مصالحهم الشخصية.