عاجل
منصة سورية
بين مطرقة الفواتير وسندان الرواتب: قراءة في حسابات البقاء السوري سوريا

بين مطرقة الفواتير وسندان الرواتب: قراءة في حسابات البقاء السوري

كامل عيسى الدريع ك
كامل عيسى الدريع
كاتب

جاهز 0%
استمع للمقال

تأتي القرارات الأخيرة المتعلقة برفع أسعار حوامل الطاقة، وعلى رأسها الكهرباء، لتضع المواطن السوري أمام اختبار جديد في ما يمكن تسميته بـ«فن البقاء على قيد الحياة». فبينما يفترض أن تكون الكهرباء والغاز والمياه والنقل خدمات أساسية تشكل ركائز للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، تحولت هذه الخدمات خلال السنوات الماضية إلى أعباء مالية متزايدة تلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسرة، وتدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها بصورة لا تخلو من القسوة.

لم يعد السؤال المطروح داخل معظم البيوت السورية: كيف نحسن مستوى معيشتنا؟ بل أصبح: كيف نستطيع إكمال الشهر بأقل قدر ممكن من الخسائر؟ فكل قرار جديد برفع الأسعار لا يدخل إلى ميزانية مستقرة يمكنها امتصاصه، وإنما يصطدم بدخل محدود أصلا، وبسوق تشهد ارتفاعات متلاحقة في أسعار المواد الغذائية والأدوية والنقل والإيجارات وسائر الاحتياجات اليومية.

لغة الأرقام بعيدا عن العواطف

إذا أردنا مقاربة الواقع بلغة الأرقام، وبناء على راتب شهري يبلغ ثلاثة ملايين ليرة سورية، وهو راتب يمكن اعتباره «جيدا» نسبيا مقارنة برواتب عدد كبير من العاملين، فإن النتيجة تكشف عن عجز مالي واضح حتى قبل احتساب الاحتياجات غير الأساسية.

في بند السكن، يحتاج المواطن إلى ما يقارب مليون ونصف المليون ليرة شهريا لتأمين منزل بإيجار متواضع، وقد يرتفع الرقم كثيرا تبعا للمدينة والمنطقة ومساحة المنزل وحالته. وإذا أضيفت فاتورة الكهرباء التي قد تصل إلى نحو 500 ألف ليرة، مع قرابة 150 ألف ليرة لتأمين الغاز، يصبح مجموع السكن والخدمات الأساسية نحو مليونين و150 ألف ليرة.

هذا المبلغ وحده يمثل أكثر من ثلثي الراتب المفترض، ويترك للأسرة نحو 850 ألف ليرة فقط لتغطية جميع مصاريف الشهر المتبقية، بما فيها الطعام والنقل والدواء والملابس والاتصالات والتعليم وأي التزامات طارئة.

لكن المعضلة تتضح أكثر عند الانتقال إلى بند المعيشة اليومية. فتكاليف النقل قد تصل إلى نحو 500 ألف ليرة شهريا، خصوصا لمن يضطر إلى استخدام وسائل النقل بصورة يومية للوصول إلى مكان العمل أو الجامعة أو المدرسة. أما تأمين الحد الأدنى من الغذاء، بما يشمل الخبز والخضراوات وبعض الحبوب وكمية محدودة من اللحوم أو البروتين، فقد يحتاج إلى ما لا يقل عن مليونين و50 ألف ليرة شهريا لأسرة صغيرة.

وبذلك يصل مجموع المصاريف الشهرية الأساسية إلى نحو أربعة ملايين و700 ألف ليرة، مقابل دخل لا يتجاوز ثلاثة ملايين. أي أن العجز الشهري يبلغ مليونا و700 ألف ليرة، من دون احتساب ثمن الملابس أو تكاليف التعليم أو مصاريف الأطفال أو الاتصالات والإنترنت أو صيانة المنزل أو شراء أي جهاز كهربائي أو منزلي.

الأكثر قسوة أن هذه الحسبة لا تتحدث عن حياة مريحة أو مستوى من الرفاهية، وإنما تصف حياة تقشفية شديدة، قائمة على الحد الأدنى من الغذاء والسكن والخدمات. لا مطاعم، ولا رحلات، ولا مدخرات، ولا سفر، ولا شراء سيارة، ولا تخطيط لامتلاك منزل، ولا حتى مساحة مالية تسمح للأسرة بمواجهة مرض مفاجئ أو عطل منزلي أو مناسبة اجتماعية.

ماذا عن أصحاب الرواتب الأدنى؟

المفارقة المؤلمة أن هذه الأرقام تنطبق على شخص يتقاضى ثلاثة ملايين ليرة شهريا، بينما لا تزال رواتب كثير من الموظفين والعمال تدور حول مليون و800 ألف ليرة أو أقل. وهنا يصبح الحديث عن تنظيم الميزانية أو ترشيد النفقات نوعا من الانفصال عن الواقع، لأن المشكلة لم تعد في سوء إدارة الدخل، بل في أن الدخل نفسه لا يغطي أساسيات الحياة.

الموظف الذي يحصل على مليون و800 ألف ليرة قد لا يستطيع، حتى من الناحية الحسابية، دفع إيجار منزله وفاتورة الكهرباء والغاز في الشهر ذاته. وهذا يعني أن الأسرة مضطرة إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، أو الاعتماد على تحويلات الأقارب في الخارج، أو الاستدانة، أو بيع ممتلكاتها تدريجيا، أو تقليص استهلاكها إلى مستويات تهدد صحتها واستقرارها.

لقد أصبح المواطن السوري مطالبا بأن يكون خبيرا اقتصاديا وساحرا في آن واحد؛ يوزع دخلا محدودا على احتياجات لا يمكن تأجيلها، ويختار كل يوم بين دفع فاتورة وشراء دواء، أو بين تأمين المواصلات وشراء كمية كافية من الغذاء. وفي كثير من الحالات، لا يكون الاختيار بين الضروري والكمالي، بل بين ضرورات متساوية في الأهمية.

ارتفاع الطاقة يرفع كل شيء

لا تتوقف آثار رفع أسعار الكهرباء والغاز عند قيمة الفاتورة التي يدفعها المواطن بصورة مباشرة. فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين والتبريد، وبالتالي ينتقل إلى أسعار مختلف السلع والخدمات.

صاحب المخبز أو الورشة أو المتجر أو المصنع سيضطر إلى إضافة الزيادة الجديدة إلى سعر المنتج النهائي، وكذلك سيفعل أصحاب وسائل النقل والمطاعم والمحال التجارية ومقدمو الخدمات. وهذا يعني أن المواطن سيدفع ثمن رفع أسعار الطاقة مرتين: مرة في فاتورته المنزلية، ومرة ثانية ضمن أسعار السلع والخدمات التي يشتريها يوميا.

وفي ظل غياب زيادة موازية وحقيقية في الأجور، تتحول كل موجة من رفع الأسعار إلى اقتطاع مباشر من القدرة الشرائية. فما كان الراتب يستطيع شراءه في بداية الشهر، قد لا يستطيع شراءه بعد أسابيع قليلة، الأمر الذي يجعل أي زيادة محدودة في الأجور غير قادرة على إحداث تحسن فعلي ما لم ترافقها سياسات لضبط الأسعار وتحسين الإنتاج والخدمات.

تداعيات تتجاوز الاقتصاد

لا يمكن النظر إلى تدهور الوضع المعيشي باعتباره مسألة مالية فقط، لأن آثاره تمتد إلى بنية المجتمع بأكمله. عندما يصبح الدخل عاجزا عن تأمين الاحتياجات الأساسية، ترتفع معدلات التسرب من التعليم وعمالة الأطفال والهجرة والديون والمشكلات الأسرية والضغوط النفسية.

كما يضطر الشباب إلى تأجيل الزواج وتأسيس الأسرة، بينما يفكر أصحاب الكفاءات في مغادرة البلاد بحثا عن دخل أكثر استقرارا. أما الأسر التي لا تملك مصدر دعم خارجيا، فتجد نفسها أمام دائرة مغلقة من الفقر والاستدانة والتنازل التدريجي عن احتياجاتها.

ويؤدي الضغط الاقتصادي المتواصل إلى إنهاك نفسي واجتماعي لا يقل خطورة عن الفقر المادي. فالمواطن الذي يقضي معظم يومه في التفكير بكيفية تأمين لقمة العيش، لا يملك الوقت أو الطاقة للتعلم أو التطور أو المشاركة في الحياة العامة أو التخطيط لمستقبل أسرته.

الفجوة التي تبتلع الرواتب

المشكلة اليوم لا تكمن في قيمة فاتورة واحدة، ولا في زيادة منفردة يمكن امتصاصها بعد فترة، بل في الفجوة المتسعة بين الدخل وتكاليف المعيشة. هذه الفجوة لم تعد قابلة للمعالجة من خلال النصائح التقليدية حول الادخار أو ترشيد الاستهلاك، لأن معظم الأسر استنفدت بالفعل كل أشكال التقشف الممكنة.

لقد تراجعت جودة الطعام، وانخفض استهلاك اللحوم والفواكه، وتأجلت الزيارات الطبية، وأصبحت الملابس الجديدة من الكماليات، فيما تحولت صيانة المنزل والأجهزة إلى عبء مؤجل حتى وقوع العطل الكامل. ومع ذلك، ما تزال المصاريف أعلى من الدخل.

ومن هنا يطرح الشارع السوري سؤالا مشروعا وملحا: إلى متى ستظل قرارات رفع الأسعار تسبق خطوات تحسين الرواتب وترميم القدرة الشرائية؟ ولماذا يطلب من المواطن تحمل كلفة الإصلاح الاقتصادي، بينما لا يلمس تحسنا موازيا في جودة الخدمات أو فرص العمل أو مستوى الدخل؟

الحاجة إلى معالجة متكاملة

إن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم من خلال زيادة شكلية في الرواتب سرعان ما تبتلعها الأسواق، بل تحتاج إلى مقاربة متكاملة تبدأ بإعادة النظر في مستوى الأجور وربطه بتكاليف المعيشة الفعلية، إلى جانب ضبط الأسواق وتعزيز الإنتاج المحلي وتوفير شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.

كما يجب أن تراعي تسعيرة الخدمات الأساسية مستويات الدخل المختلفة، وأن تعتمد شرائح عادلة تحمي أصحاب الاستهلاك المنخفض والأسر محدودة الدخل، بدلا من إخضاع الجميع للعبء ذاته. فالكهرباء والمياه والغاز ليست سلعا ترفيهية يمكن للمواطن الاستغناء عنها، وإنما حقوق وخدمات أساسية ترتبط بالصحة والتعليم والعمل والحياة اليومية.

حياة كريمة أم إدارة دائمة للأزمة؟

الواقع يقول إن استمرار النهج الاقتصادي الحالي سيجعل «الحياة الكريمة» حلما بعيد المنال بالنسبة إلى ملايين السوريين، وسيحول يوميات المواطن إلى سباق لا ينتهي خلف لقمة العيش، في مضمار تزداد عوائقه يوما بعد يوم.

المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن رفاهية استثنائية، وإنما يريد راتبا يكفي لتأمين منزل وطعام ودواء وتعليم لأطفاله، مع هامش صغير يحميه من الطوارئ ويمنحه شعورا بالأمان. أما أن يصبح كامل الدخل عاجزا عن تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات، فإن ذلك يعني أن الخلل لم يعد فرديا، بل أصبح خللا بنيويا يحتاج إلى قرارات حقيقية وجريئة.

وبين مطرقة الفواتير وسندان الرواتب، لا يزال السوري يحاول صناعة معجزة شهرية، مستخدما ما تبقى لديه من صبر وقدرة على التكيف. لكن الصبر، مهما طال، لا يمكن أن يكون بديلا دائما عن السياسات الاقتصادية العادلة، ولا يمكن مطالبة المواطن بمواصلة التكيف مع واقع يزداد صعوبة من دون منحه أدوات حقيقية للعيش والاستقرار.