بين التطرّف العلماني والتمدّن الإسلامي
سوريا بين فكي كماشة

بعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة لم تختبر السياسة فقط، بل اختبرت الناس وخطاباتهم وأخلاقهم. كثيرون اعتقدوا أن السؤال سيكون: من يحكم؟ لكن السؤال الحقيقي الذي ظهر سريعًا كان أبسط وأقسى: كيف نتصرف عندما تصبح الدولة ممكنة من جديد؟

في هذه اللحظة بالذات، سقطت أقنعة كثيرة. خطابات كانت تتحدث لسنوات عن العلمانية، والدولة المدنية، وفصل الدين عن السياسة، تهاوت عند أول احتكاك فعلي مع واقع السلطة. ليس لأن هذه المبادئ خاطئة، بل لأن من رفعها لم يكن مستعدًا لتطبيقها خارج موقع المعارضة المريحة.

من خطاب الدولة إلى سياسة “يا معنا يا ضدنا”

لسنوات طويلة، قدّمت نخب سورية نفسها كبديل عقلاني عن الاستبداد والتطرف معًا. كانت تقول إنها مع الدولة، مع المؤسسات، مع القانون. لكن بعد التغيير، لم نرَ برامج سياسية، ولا رؤى واضحة لإدارة بلد منهك، ولا حتى نقدًا عمليًا يساعد على التصحيح.

بدل ذلك، تحوّل المشهد إلى حالة عداء مطلق. لم يعد السؤال: هل القرار صحيح أم خاطئ؟ بل: من اتخذ القرار؟
ومن هنا بدأ الانحدار.

أي شخص لا يشارك هذا المزاج بالكامل، صار يُصنَّف فورًا: 
“بوق” “مطبل للحكومة” “مُبرّر” أو واحدة من عشرات التسميات الجاهزة التي تُستخدم لإسكات النقاش بدل خوضه.

لم يعد مسموحًا أن تقول: نعم هنا خطأ، لكن هنا خطوة صحيحة.
هذا المنطق لا علاقة له لا بالعلمانية ولا بالديمقراطية، بل هو منطق الإقصاء نفسه الذي ادّعى هذا الخطاب يومًا أنه يحاربه.

والأغرب أن كثيرين ممن هاجموا حضور الدين في السياسة، وجدوا أنفسهم اليوم محتمين بهويات طائفية أو قومية، أو مصطفّين خلف زعامات كانوا يرفضونها نظريًا. المشكلة لم تكن في الدين، بل في من يملك السلطة.

لماذا حلب؟ لأن الحقيقة ظهرت هناك بلا تجميل

كل هذا كان يمكن أن يبقى نقاشًا نظريًا، لولا ما جرى في حلب.
هنا تحوّل الخلاف من آراء إلى اختبار أخلاقي مباشر.

القصة في حلب بسيطة

أحياء داخل مدينة، سلاح خارج إطار الدولة، خطر على المدنيين، وقرار معلن ببسط السيطرة وإنهاء الفوضى.
لم يكن الحديث عن استهداف جماعي، ولا عن حرب مفتوحة، بل عن إعادة فرض القانون داخل مدينة واحدة.

لكن ما إن أُعلن هذا القرار، حتى انفجرت حملة شرسة.
فجأة، امتلأت الشاشات والبيانات بكلمات كبيرة:

  • تهجير قسري

  • تغيير ديمغرافي

  • استهداف مكوّن

ليس لأن الوقائع تغيّرت، بل لأن الجهة التي تحرّكت هي الدولة.

حين يكون المدني إنسانًا لا مصطلحًا

في أحد مراكز الإيواء المؤقتة، خرجت عائلة من حي الشيخ مقصود: أب، أم، وطفلان.
لا يهمهم من يحكم، ولا يعرفون شيئًا عن البيانات الحقوقية أو السجالات السياسية. ما يعرفونه فقط أن الرصاص صار قريبًا من بيتهم، وأن الخوف على أطفالهم كان أكبر من أي شيء آخر.

هذه العائلة خرجت بمساعدة الحكومة، التي أمّنت لهم طريق الخروج، ونقلتهم إلى مكان آمن، ووفّرت لهم مأوى وخدمات أساسية، ليس تهجيرًا ولا عقابًا، بل خوفًا عليهم وحمايةً لهم من الاشتباكات.

لم تُسأل العائلة عن طائفتها، ولم تُهجَّر لأنها “مكوّن”، ولم تُستخدم كورقة ضغط. خرجت لأن حياتها كانت مهددة، والدولة قالت لهم ببساطة: اخرجوا لتحموا أنفسكم.

ولهذا، حين يُوصَف ما جرى بأنه “تهجير قسري”، لا يكون الاتهام توصيفًا للواقع، بل قفزًا فوق قصة إنسانية واضحة، وتحويرًا لمعنى الحماية إلى تهمة سياسية جاهزة.

حين تتحوّل المنظمات “المدنية” إلى أداة سردية

لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته بعض منظمات المجتمع المدني، تلك التي سارعت إلى إصدار بيانات تتحدث عن “التهجير القسري” و”التغيير الديمغرافي”، دون انتظار تحقق ميداني، ودون زيارة مراكز الإيواء، ودون الاستماع إلى قصص الناس أنفسهم.

هذه المنظمات، المعروفة باصطفافاتها السياسية أو بعلاقاتها المباشرة وغير المباشرة مع قوى أمر واقع مسلّحة مثل قسد وأمثالها، لم تتعامل مع ما جرى كحالة إنسانية تحتاج متابعة، بل كفرصة سياسية جاهزة لإعادة إنتاج خطاب التخويف والاتهام.

الأخطر أن لغة “الحياد” و”حقوق الإنسان” استُخدمت هنا كغطاء، لا كأداة حماية، فتم القفز مباشرة إلى مصطلحات كبرى، بينما غاب الإنسان الحقيقي، وغابت المسؤولية الأخلاقية في التمييز بين الإجلاء للحماية والتهجير القسري.

الصمت الانتقائي… حيث تسقط الأخلاق

الأخطر من الهجوم الإعلامي لم يكن حدّته، بل انتقائيته.
نفس الأصوات التي لم تتكلم حين قُصف مدنيون في أماكن أخرى بلا ممرات ولا إجلاء ولا بيانات، قررت هذه المرة رفع السقف إلى أقصاه.
ليس لأن المدنيين في حلب أهم، بل لأن الدولة هي من تحرّكت.

هنا تظهر المشكلة بوضوح:
حين يصبح ضبط السلاح جريمة، وحين تتحوّل حماية الناس إلى تهمة، نكون أمام صراع سرديات لا علاقة له بحقوق الإنسان، بل باستخدامها كسلاح سياسي.

مفارقة واضحة: من يتصرّف كدولة؟

المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن السلطة، رغم أخطائها، تتصرف اليوم بمنطق الدولة: قرارات معلنة، محاولات ضبط، إدارة أمنية، ومسار واضح – وإن كان غير مثالي.
في المقابل نخب كانت تتحدث عن الدولة باتت تتصرف بمنطق الرفض المطلق دون بديل ودون مسؤولية هذا لا يجعل السلطة بلا أخطاء لكنه يطرح سؤالًا بسيطًا على الجميع:
هل نريد دولة قابلة للحياة؟
أم نريد معارضة دائمة حتى لو كان ثمنها الفوضى؟

السؤال الذي لا يريدون سماعه

ما يجري في سوريا اليوم ليس معركة شعارات، بل معركة أخلاق.
ليس المطلوب التصفيق للسلطة، ولا تبرير أخطائها، بل شيء أبسط بكثير: الصدق.

أن ننتقد عندما تخطئ، وأن نقول إنها تحمي الناس عندما تفعل.
أن نكون مع المدني كإنسان، لا كذريعة.
وأن نكون مع الدولة كفكرة، لا مع هوية من يديرها أو يختلف معنا.

بين التطرّف العلماني الذي فقد بوصلته، وسلطة تحاول – تحت الضغط – أن تتحول إلى دولة، تقف سوريا اليوم بين فكي كماشة.
والخروج منها يبدأ بسؤال واحد فقط:

من يحمي الناس؟ ومن يتصرّف كدولة؟