الرقة بعد الثورة: بين تعقيد الواقع وضرورة بناء المؤسسات
الكاتب : ماهر العايد
خلال السنوات الماضية من عمر الثورة السورية، أتيحت فرصة مهمة لجيل كامل لاكتساب خبرات سياسية وتنظيمية جديدة. غير أن تقلبات الأحداث العسكرية، وتغير السيطرة بين القوى المختلفة، وتعدد المشاريع السياسية، حالت دون نضوج تجربة جماعية مستقرة في مدينة الرقة. لكن في المقابل، أنتجت هذه السنوات خبرات فردية متباينة—وأحياناً متضادة—إلا أنها في كثير من الحالات أصبحت خبرات ناضجة على مستوى الأفراد.
مرحلة ما بعد سقوط النظام وبداية اختبار الشعارات
بعد سقوط النظام على مستوى البلاد وبدء مرحلة جديدة من بناء الحياة المؤسساتية، يصبح الاختبار الحقيقي أمام جميع القوى السياسية والمدنية: اختبار تطبيق الشعارات والرؤى التي رُفعت طوال سنوات الثورة، ومدى جاهزية أصحابها وقدرتهم الواقعية على تحويلها إلى سياسات ومؤسسات.
وتشير دراسات التحول السياسي إلى أن الفجوة بين الخطاب الثوري وبناء الدولة هي من أكثر التحديات التي تواجه المجتمعات الخارجة من الصراعات.
مظاهر التشظي السياسي والاجتماعي في الرقة
اليوم تعيش الرقة حالة واضحة من التشظي السياسي والاجتماعي، تتجلى في عدة مستويات:
الانقسام الإداري المرتبط بملف الموظفين بين مناطق النظام وقوات سوريا الديمقراطية ومنطقة عملية نبع السلام.
التباينات داخل صفوف الثورة نفسها، بين توجهات علمانية وإسلامية، وداخل التيار الإسلامي ذاته بين قوى مثل جماعة الإخوان المسلمين وهيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام.
الجدل حول أحقية التمثيل بين من بقي داخل مناطق الرقة في مختلف سيطرتها ومن هُجّر منها وعاد.
تأثير أبناء وبنات منظمات المجتمع المدني بين خبرات تطورت و وجودهم تحت سيطرة قسد وصراع الأحقية بالتمثيل بمعايير غير اكاديميه واقعية.
إضافة إلى ثقل العوامل العشائرية، واستمرار بعض أنماط الاصطفاف السياسي المشابهة لما كان سائداً في عهد حزب البعث.
وأخيراً الشعور المتزايد لدى كثير من أبناء الرقة بأن مدينتهم تُدار من خارج أبنائها.
التحول السياسي وتجارب الدول الخارجة من السلطوية
هذه التعقيدات ليست بالضرورة حالة شاذة؛ فهي نتيجة طبيعية لتاريخ طويل من الاستبداد السياسي وضعف المؤسسات، وهي ظاهرة تكررت في كثير من الدول الخارجة من الأنظمة السلطوية (كما يوضح الباحث صامويل هنتنغتون في دراساته حول التحول السياسي).
لكن غير الطبيعي هو غياب المبادرات المشتركة من النخب الأكاديمية والسياسية المنحدرة من الثورة—وهي الأكثر إدراكاً لطبيعة هذه التشوهات—للعمل على إنتاج دراسات مشتركة وخطط عملية للخروج من حالة التعقيد الحالية.
بناء الدولة: من الشعارات إلى المؤسسات
إن بناء دولة بعد سقوط نظام سلطوي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل عبر المؤسسات والقوانين والتخصصات المهنية.
فالثورات عادة تُصنع بالعاطفة والتضحيات، لكن الدول تُبنى بالخبرات والإدارة والقدرة على تنظيم المصالح العامة. لذلك، فإن أبناء الثورة أنفسهم هم الأكثر مسؤولية عن حماية شعاراتها من الاختطاف أو التحول إلى أداة لإقصاء الآخرين.
دروس من تجارب التحول السياسي
تجارب التحول السياسي تشير أيضاً إلى خطأ شائع يتمثل في الانسحاب من العملية السياسية بسبب رفض نموذج الحكم القائم.
المثال الأبرز على ذلك ما حدث بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، حيث أدى انسحاب جزء كبير من القوى السياسية السنية من العملية السياسية في البداية إلى ترك المجال لخصومهم للسيطرة على المؤسسات الناشئة، ما جعل لاحقاً عملية التغيير أكثر صعوبة وتعقيداً.
الطريق الأكثر واقعية لبناء الحياة السياسية
من هنا، فإن الطريق الأكثر واقعية يتمثل في:
الاتفاق على قانون مشترك ينظم الحياة السياسية ويضمن التنافس السلمي.
بناء مؤسسات تسمح للكتل السياسية والاجتماعية بالتنافس وفق حجم تمثيلها الشعبي.
المشاركة في إدارة الدولة والرقابة عليها بدلاً من مقاطعتها.
إسناد المناصب العامة إلى أصحاب الخبرة والكفاءة، مع إعطاء أولوية طبيعية لأبناء الثورة المؤهلين أكاديمياً وإدارياً.
السياسة كأداة لبناء المجتمع
عندها فقط يمكن أن تتمايز الكتل السياسية والمدنية بشكل صحي، ويُقاس تمثيلها الحقيقي من خلال قواعدها الشعبية وتأثيرها في المجتمع.
فجوهر السياسة في النهاية ليس الصراع المجرد، بل القدرة على التأثير وبناء التحالفات لتحقيق نتائج تخدم المجتمع.
إن بناء الدولة شيء، والاختلاف مع السلطة القائمة شيء آخر. أما تعطيل عملية البناء أو الانسحاب منها فلن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد أكثر وفقدان القدرة على التأثير فيه.






