ليس من يُسطر أولاً بعد السقوط… بل من يبني أولاً
"الشرق الأوسط بين لحظة ما بعد علي خامنئي وتصريحات بنيامين نتنياهو"
في الشرق الأوسط، لا يكفي أن يسقط رأس، ولا يكفي أن يُعلن محور جديد. من يحسم المرحلة ليس من يملأ الشاشات أولاً، بل من يبني أولاً.
إذا دخلت إيران مرحلة ما بعد علي خامنئي، فنحن أمام لحظة سيولة استراتيجية. إيران ليست دولة عادية في الإقليم؛ هي عقدة توازن بين الأيديولوجيا والأمن والجغرافيا. غياب خامنئي – إن حدث – لن يكون مجرد انتقال قيادي، بل اختبار لبنية النظام، ولدور الحرس الثوري الإيراني، ولمستقبل شبكة النفوذ الممتدة إلى المشرق.
في هذا السياق، تأتي تصريحات بنيامين نتنياهو حول “العمل على إنشاء محورين: محور لمحاربة إيران، ومحور لمواجهة المحور السني المتشكل” لتكشف ذهنية إدارة الصراع في المنطقة. الفكرة هنا ليست فقط مواجهة خصم، بل إعادة هندسة الإقليم عبر محاور متقابلة، تُبقي المنطقة في حالة استقطاب دائم.
المفارقة أن سقوط مركز استقطاب لا يعني نهاية الاستقطاب، بل قد يولّد استقطاباً جديداً. فإذا تراجعت إيران، سيحاول البعض رسم خريطة جديدة تقوم على ثنائية أخرى. وهنا يكمن الخطر: أن تتحول لحظة التحول إلى سباق محاور بدلاً من أن تكون فرصة لبناء توازنات مستقرة.
سوريا بين المحاور والبناء
بالنسبة إلى سوريا، المشهد أكثر حساسية. المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع تضع الدولة أمام تحدي الخروج من موقع “الساحة” إلى موقع “الفاعل”.
إذا اهتزت طهران، قد يتراجع ثقل محور قديم. وإذا تشكّلت محاور جديدة كما يطرح نتنياهو، فقد تُدفع دمشق نحو اصطفافات جديدة. لكن الخيار الاستراتيجي الأهم ليس في الانضمام إلى محور ضد آخر، بل في بناء مناعة داخلية تقلل الحاجة إلى الارتهان لأي محور.
السويداء والملف الكردي: من الهشاشة إلى الشراكة
في السويداء، الرهان ليس أمنياً فقط، بل سياسي–اجتماعي. أي استقطاب إقليمي جديد قد يغري قوى محلية بالبحث عن مظلات خارجية. الرد لا يكون بمحور مضاد، بل بعقد داخلي واضح يضمن المشاركة والحقوق.
وفي الملف الكردي، المسألة أكثر تعقيداً. لحظة السيولة قد تفتح نافذة تفاهم تاريخي، أو تعمّق المخاوف. البناء هنا يعني صياغة شراكة دستورية حقيقية، لا إدارة مؤقتة لتوازن قلق.
منطق المحاور أم منطق الدول؟
تصريحات نتنياهو تعبّر عن منطق إدارة صراع دائم عبر محاور متقابلة. لكن المنطقة أنهكتها المحاور. ما تحتاجه ليس محوراً سنياً مقابل محور إيراني، ولا محوراً ضد هذا أو ذاك، بل دولاً قادرة على ضبط حدودها، وإدارة تنوعها، وبناء اقتصادها.
بعد خامنئي، قد تتغير خرائط النفوذ.
ومع كل تصريح عن محور جديد، قد ترتفع حرارة الاستقطاب.
لكن الرهان الحقيقي ليس في من ينتصر في لعبة المحاور، بل في من يخرج منها.
ليس من يسقط أولاً، ولا من يُسطر أولاً بعد السقوط…
بل من يبني أولاً دولة قادرة على الوقوف خارج هندسة الصراعات.
في شرقٍ أوسط تُعاد صياغته،
الدولة التي تبني نفسها جيداً… لا تحتاج إلى محور يحميها.






