الرقة بين المصطلحات والبساطة والتراث

الكاتب : كامل عيسى الدريع

تحمل اللهجة الرقاوية في طياتها ذاكرة مجتمع كامل عاش ببساطة قريبة من الأرض والماشية والنهر. فهي ليست مجرد كلمات متداولة بين الناس، بل مفردات تشكلت من تفاصيل الحياة اليومية، ومن الأدوات التي استُخدمت في البيوت الطينية، ومن طرق العيش التي سادت لعقود طويلة في الريف والمدينة على حد سواء. وكثير من هذه المصطلحات ما زال حاضراً في كلام كبار السن، بينما بدأ يختفي شيئاً فشيئاً مع تغيّر أنماط الحياة.

ومن بين هذه المفردات الشعبية التي تعبّر عن جزء من تراث الرقة:

الشَّجوة

وهي وعاء يُصنع غالباً من جلد الماعز بعد تنظيفه وتجفيفه جيداً. وكانت تُستخدم في خضّ اللبن الخاثر للحصول على الزبدة التي يُستخرج منها السمن البلدي. وكانت الشجوة من الأدوات الأساسية في البيوت الريفية التي تعتمد على منتجات الأغنام والماعز.

النَّضيدة

يطلق هذا الاسم على مجموعة الأغطية والفرش والمخدات التي لا تُستخدم يومياً، بل تُرتّب فوق بعضها بشكل منظم داخل البيت. وكانت النضيدة تُفتح وتُستعمل في المناسبات مثل الأفراح أو العزاء، أو عندما يحل ضيف في المنزل.

الوَهْد

كلمة تُستخدم أيضاً للدلالة على فرش وأغطية ومخدات البيت، وقد تأتي بمعنى قريب من النضيدة، أي مجموعة المفروشات التي تُرتّب وتُحفظ لحين الحاجة إليها.

اللِّباد

وهو بساط سميك يُصنع من صوف الغنم الخالص، حيث يُعالج الصوف ويُنسج بطريقة خاصة حتى يصبح قطعة متماسكة تُستخدم للفرش أو للعزل، وغالباً ما يكون ملوّناً أو مزخرفاً.

البِساط

يُصنع بطريقة تقليدية من خيوط مأخوذة من الأقمشة القديمة في البيت. إذ كانت النساء يمزّقن الملابس البالية إلى خيوط تُلفّ على شكل بكرات، ثم تُسلّم للنسّاج الذي يقوم بنسجها على النول لتتحول إلى بساط مزخرف جميل يُستخدم في البيوت.

الدَّجّة

وهي منصة خشبية تتكون من ألواح مثبتة على أربع أو ست أرجل خشبية. وكانت تُستخدم لوضع النضيدة أو الوهد فوقها، حفاظاً على الفرش من الرطوبة أو الاتساخ.

الطّاگة

وهي الشباك أو الفتحة الصغيرة في جدار البيت، وتُستخدم للتهوية وإدخال الضوء، خاصة في البيوت الطينية القديمة.

القاووش (البيت الطيني)

وهو نمط البناء القديم في الريف، حيث كان البيت يُبنى من الطين الممزوج بالتبن أو ببقايا حصاد القمح. وكانت تُصنع منه قوالب مستطيلة متساوية تُعرف باللبن، تُترك لتجف ثم تُرص فوق بعضها لبناء الجدران. أما السقف فكان يعتمد على الأعمدة الخشبية والجايز والشدحة التي تحمل ثقل السطح، وهي بمثابة الأعمدة الخرسانية في البناء الحديث.

الخاثر

هو اللبن المتخثّر الذي يُصنع من حليب الأغنام أو الماعز. إذ يُحلب الحليب ثم يُسخّن قليلاً ويُترك ليبرد، وبعد ذلك تُضاف إليه كمية صغيرة من اللبن القديم، ويُترك حتى اليوم التالي فيتحول إلى لبن خاثر يُستخدم في الطعام أو في صناعة الزبدة والسمن.

الغَجَق

وهي كلمة يطلقها أهل الرقة على الطريق الوعر المليء بالحفر والمطبات، وغالباً ما تُقال لوصف طريق صعب السير فيه.

الخاشوگة

كلمة مأخوذة من التركية (Kaşık) وتعني الملعقة، وقد دخلت إلى اللهجة المحلية خلال فترة الحكم العثماني الطويلة للمنطقة، وما زال بعض كبار السن يستخدمونها حتى اليوم بدلاً من كلمة ملعقة.

الجدّوم

أداة حديدية تشبه الفأس الصغيرة، تُستخدم في الأعمال الزراعية أو في قطع الحطب والأخشاب، وكانت من الأدوات الشائعة في البيوت الريفية.

الشاحوف

وهو اسم يطلق على القارب الصغير أو وسيلة النقل البسيطة في المياه، وكان يُستخدم قديماً في التنقل عبر نهر الفرات أو في الأعمال المرتبطة به.

إن هذه المفردات وغيرها تشكّل جزءاً من الذاكرة الشعبية للرقة، فهي كلمات وُلدت من تفاصيل الحياة اليومية، ومن أدوات البيت الريفي، ومن البيئة التي عاش فيها الناس لسنوات طويلة. وبعض هذه الكلمات يحمل أثراً لغوياً من عصور مختلفة، ومنها كلمات دخلت إلى اللهجة المحلية خلال العهد العثماني نتيجة الاحتكاك الطويل مع اللغة التركية.

وفي النهاية، تبقى هذه المصطلحات جزءاً من التراث الشفهي الذي يستحق التوثيق والحفظ، لأنها تعكس حياة الناس البسيطة وتروي جانباً من تاريخ الرقة الاجتماعي والثقافي.