اتفاق 10 آذار إلى نهايته:
قسد بين المماطلة والقمع وانفجار السيناريوهات

فريق التحرير

بعد أشهر على توقيع اتفاق 10 آذار، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن هذا الاتفاق بات فعلياً في حكم المنتهي، ليس بفعل عامل خارجي مفاجئ، بل نتيجة نهج ممنهج من المماطلة والتسويف انتهجته مليشيا قسد منذ اليوم الأول. اتفاق قُدِّم حينها بوصفه خطوة تهدئة ومساراً سياسياً مرحلياً، لكنه تحوّل سريعاً إلى ورقة استهلاك إعلامي استخدمتها مليشيا قسد لكسب الوقت وترتيب أوراقها الأمنية، دون أي التزام حقيقي ببنوده أو بروحه.

غياب التطبيق وتصاعد القمع

منذ توقيع الاتفاق، لم تُسجَّل أي خطوات جدية تشير إلى تطبيق فعلي على الأرض. على العكس، تصاعدت حملات القمع في مناطق سيطرة مليشيا قسد، وتوسّعت الاعتقالات التعسفية، وازدادت المداهمات الليلية، وفرضت القيود على الحريات العامة، في مشهد يناقض تماماً أي حديث عن شراكة أو تهدئة أو انتقال سياسي. بدا واضحاً أن مليشيا قسد تتعامل مع الاتفاق كغطاء مؤقت، لا أكثر، تستخدمه عند الحاجة ثم تتجاهله حين يتعارض مع حساباتها الأمنية.

تصعيد دموي ومجازر في دير الزور والرقة

الأخطر من ذلك أن الأيام الأخيرة شهدت تصعيداً دموياً في كل من دير الزور والرقة، حيث ارتكبت مليشيا قسد عدداً من المجازر التي راح ضحيتها مدنيون عزل، بينهم نساء وأطفال، خلال عمليات أمنية واشتباكات داخل أحياء سكنية مأهولة.
وغالباً ما جرى تبرير هذه العمليات بذريعة “ملاحقة خلايا” أو “فرض الأمن”، إلا أن تكرار المشهد وسقوط المدنيين بشكل متواصل حوّل هذه الذرائع إلى خطاب مستهلك، لا يخفي حقيقة استخدام القوة المفرطة كأداة لإخضاع المجتمع

تشديد القبضة الأمنية ومنع التعبير الشعبي

وفي موازاة ذلك، شددت مليشيا قسد قبضتها الأمنية على الحياة العامة، فمنعت الاحتفالات الشعبية بسقوط النظام في عدد من المناطق، وواجهت أي مظاهر فرح أو تعبير سياسي بالقمع والتهديد والاعتقال.
هذا المنع لم يكن إجراءً أمنياً عابراً، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن مليشيا قسد لا تقبل بأي تعبير خارج سرديتها، حتى لو كان سلمياً وشعبياً.
والمفارقة الصادمة أن هذا القمع تزامن مع فتح أبوابها لاستقبال عناصر من النظام البائد ضمن صفوفها، سواء عبر دمجهم في هياكل أمنية أو إعادة تدويرهم في مؤسسات إدارية، في خطوة تكشف حجم التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية

أبعاد إقليمية واتصالات خارجية

ولم تقتصر مؤشرات هذا النهج على الداخل فقط، بل كشفت تقارير دولية عن أبعاد إقليمية أكثر خطورة.
فقد أشار تقرير لصحيفة واشنطن بوست إلى تقديم دعم من قبل مليشيا قسد لما يُسمّى مليشيا الحرس الوطني التابعة لحكمت الهجري، في إطار ترتيبات أمنية موازية تتجاوز حدود المنطقة.
ولفت التقرير إلى وجود اتصالات أجرتها قيادات في مليشيا قسد مع الإسرائيليين، في سياق السعي لتمديد الهدنة القائمة وتثبيت وقائع ميدانية تخدم بقاء المليشيا كأمر واقع.
هذه المعطيات تعكس سياسة تقوم على الارتهان للتحالفات الخارجية واستخدامها كضمانة لبقاء النفوذ، بدلاً من الالتزام بأي مسار وطني أو توافق محلي حقيقي.

فشل الاتفاق وانعدام الثقة

هذه السياسات مجتمعة تؤكد أن اتفاق 10 آذار لم يعد سوى عنوان فارغ.
فالمليشيا التي تماطل في تنفيذ أي التزام سياسي، وتُقابل المطالب الشعبية بالقمع، وتُعيد إنتاج أدوات النظام الذي تدّعي معارضته، وتنسج في الوقت ذاته علاقات أمنية خارجية مشبوهة، لا يمكنها أن تكون طرفاً موثوقاً في أي اتفاق أو مسار مستقبلي.

السيناريوهات المحتملة للمرحلة القادمة

السيناريو الأول: استمرار المماطلة والتصعيد الأمني

يتمثل في محاولة مليشيا قسد فرض أمر واقع بالقوة، مستفيدة من حالة التشتت السياسي والفراغ المرحلي.
هذا السيناريو يعني مزيداً من الاحتقان الشعبي، واتساع دائرة الرفض، واحتمال انفجارات محلية يصعب احتواؤها.

السيناريو الثاني: انهيار المسار التفاوضي

هو انهيار كامل لأي مسار تفاوضي مرتبط باتفاق 10 آذار، والدخول في مرحلة صدام سياسي وأمني مفتوح، سواء مع المكونات المحلية أو مع الأطراف الرافضة لسياسات مليشيا قسد.
وفي هذه الحالة، تبدو مناطق دير الزور والرقة والحسكة مرشحة لمزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار.

السيناريو الثالث: ضغوط خارجية لتغيير السلوك

وهو الأقل احتمالاً حتى الآن، ويتمثل في فرض ضغوط حقيقية على مليشيا قسد لإجبارها على تغيير سلوكها، ووقف القمع، والدخول في مسار جدي يضع حداً لسياسات الإقصاء وينهي عسكرة المجتمع.
غير أن هذا السيناريو يصطدم بسجل طويل من الوعود غير المنفذة، ما يجعله أقرب إلى الأمنيات منه إلى التوقعات الواقعية.

في المحصلة، ما يجري اليوم يؤكد أن اتفاق 10 آذار وصل إلى نهايته السياسية والأخلاقية.

فالاتفاقات لا تُقاس بتواقيعها، بل بتنفيذها، ومليشيا قسد أثبتت، مرة بعد أخرى، أنها غير معنية بأي التزام لا يخدم مشروعها الضيق.
وبينما تدفع المناطق التي تسيطر عليها ثمن هذا النهج من دماء المدنيين وقمع الحريات وتعميق الانقسامات، يبقى السؤال مفتوحاً حول المدة التي يمكن أن يستمر فيها هذا الواقع قبل انفجار شامل يعيد رسم المشهد من جديد.